يتكون هذا النقش من أربعة أسطر، مكتوبة بخط الثلث المركب بخط بارز، والنقش كان مثبَّتًا على دروازة «بوابو» باب الشمال ، وهو منظم الشكل، ومرتَّب ومهذَّب، ونحت على الحجر البحري المرجاني، وتبلغ مقاساته 93X 48سم، ويخلو من الزخارف، ومعروض بالمتحف الوطني بالرياض، ولأهميته عمل منه مستنسخ معروض في متحف الدمام الإقليمي، وتكمن أهميته في أنه الوحيد الذي يؤرخ لسور قلعة القطيف.
اختلف في النقش؛ هل هو يخص سور القلعة، أو القلعة ذاتها؟ جميع من تحدث عن النقش يعتقد أنه يخص سور القلعة، ما عدا الأستاذ محمد صالح الشرفاء، فهو يقول «إن النقش يعود إلى بناء قلعة القطيف للمرة الثانية» .
سور القلعة أصابه كثير من التصدعات، والأضرار الفادحة، وأجزاء كبيرة منه قد تهدم، واهترأ، وأصبحت حالته يرثى لها، وخاصة ما أصابه خلال وجود الاحتلال البرتغالي للقطيف، وأثناء جلائهم عنها. كما إن مباني القلعة قد حصل لها ضرر، فقام علي باشا بالتوجيه إلى أمير لواء القطيف بترميم القلعة، وإعادة تشييد السور من جديد وفق تحصينات قوية، ومتطورة من زيادة عدد الأبراج، وغير ذلك، لصد أي عدوان عن القطيف.
يعود النقش إلى فترة ازدهار وعمران في إيالة الاحساء في الفترة العثمانية الأولى. على يد علي باشا الذي قام بتأسيس وإنشاء الكثير من المنشآت المدنية والحربية والدينية في إيالة الحساء.
بيئة النقش:
نقش إعادة تشييد سور قلعة القطيف
بيئة النقش هي البلد الذي وجد فيه وهي القطيف - بفتح أوله، وكسر ثانيه، ثم ياء وآخره فاء، على بناء فعيل - مدينة تاريخية عريقة مرت عليها كثير من الحضارات القديمة وترجع آثارها إلى بضعة آلاف من السنين، وتعاقب عليها كثير من الشعوب، وتقع في منتصف الساحل الغربي الخليج الفارسي، تقريبًا، وكانت تعد من أهم وأعرق المدن الواقعة في الخليج الفارسي، وسميت بعدّة أسماء من أهمها وأشهرها القطيف.
كانت القطيف عبارة عن بلدة مركزية، ومجموعة من القرى والبلدات الموزعة ساحلياً وداخلياً، ولكن الوضع حاليًّا تغير، فقد كبرت أغلب البلدات، وصار بعضها مدناً، وحاليًّا تسمى القطيف وتوابعها في الوثائق الرسمية «محافظة القطيف»، والقطيف والخط ذكرا في كثير من المراجع والمعاجم والقواميس والرحلات القديمة، وخلاصة ما يمكن قوله إن القطيف تحتوي تاريخًا أراد آل سعود طمسه وتراثًا أراد آل سلول دفنه
قراءة النقش:
• السطر الأول: الحمد الله الذي أقام تشييد هذه القلعة.
• السطر الثاني: الميمونة حرسها الله من العدوان بهمة.
• السطر الثالث: الملك الهمام القائم بأمور الإسلام علي.
• السطر الرابع: باشا دام إقباله في سنة تسع وثلاثين والألف.
التعليق على النقش:
بدأ النقش بعبارة الحمد، والشكر لله على إعانة علي باشا على تشييد سور قلعة القطيف، ووصفها بالميمونة، والدعاء لها بحراستها من العدوان.
ويبين النقش أن الذي أمر ووجه ببناء السور «إعادة بنائه» هو علي باشا، أمير أمراء إيالة الحساء، وأضفى عليه ألقاب التفخيم والعظمة فوصفه بـ «الملك»، وهو لقب كان يلقب به الرئيس الأعلى للسلطة الزمنية، وأطلق على كثير من سلاطين الدولة العثمانية، وممن تلقب به؛ السلطان مراد عام 777هـ، والسلطان سليمان بن سليم، وإضفاؤه على علي باشا يدل على عظم شأنه في البلاد، وفي البلاط العثماني.
كما أن النقش يظهر أحد ألقاب سلاطين الدولة العثمانية وهو «القائم بأمور الإسلام»، وأعطى هذا اللقب لـ «علي باشا» وهذا أيضاً يدل على علو نفوذه في الدولة العثمانية.
من الألقاب التي ذكرت في النقش «باشا»، وهو لقب أضيف إلى أمير أمراء الحساء «علي»، و«باشا» معناها، قديماً، الملك، أو الشاه، وجاء في المعجم الذهبي كلمتان تركيتان متقاربتان لفظًا، الأولى: باشي «تركية»، ومعناها: رئيس، وتؤدي معنى الإحترام إذا اتصلت بالإسم، مثل: حكيم باشي، ولعل منها «بك باشي». أما الكلمة الثانية فهي پاشا، بالباء المثلثة: لقب عسكري ومدني، وأصلها پاد شاه، وتعني: سيد .
واستعملت بعد ذلك لقبًا لحكام الولايات، وأطلق على رتبة عسكرية ومدنية للحائزين على رتبة «أمير لواء»، فما فوقها، ومنح إلى بعض شيوخ القبائل، وإلى من كان ذا موقع مرموق . فمنذ أن شكلت نواة الجيش العثماني كانت تعقد الألوية للفاتحين، ويرأسهم حاكمان يدعى كل منهما بيكلربك ولقبه «باشا»، ويتضمن النقش الدعاء لـ «علي باشا» بالبقاء، وطول العمر في عبارة «دام إقباله».
النقش مؤرخ في سنة 1039هـ، ويخلو من اليوم والشهر، فقد كانوا يعتنون كثيراً بالتاريخ كاملاً، وذلك من خلال ما وجد من نقوش عثمانية في القطيف، ويصادف تاريخ النقش في العامين 1629-1630م، والقطيف في عام 1039هـ كانت تحت حكم أمير لواء القطيف الحسين بن عبد الله خلال الفترة «1035-1044هـ» وكان مقره والقوات المكلفة بحراسة المدينة داخل أسوار القلعة، وسلطان الدولة العثمانية خلال فترة النقش السلطان العثماني مراد الرابع بن السلطان أحمد الأول 1032-1049هـ، ولأهمية علي باشا، وهو العلم الوحيد الذي ذكر في النقش،
علي باشا:
علي باشا بن أحمد لاوند البريكي من أعظم الولاة العثمانيين في الأحساء طيلة حكمها الأولى، وكان يتصف بصفات حميدة، ومن أبرزها التقى، والحرص على عمارة المساجد، وتشييد القصور، والدور الحكومية، وإقامة القلاع، والحصون، وترميم المنشآت المهمة في البلاد، والحث على ذلك.
ومن إسهاماته بناؤه لمدرسة القبة، ومسجد شبيب، وسور الكوت.
تبوأ سدة الحكم في الأحساء مرتين، وفترته الثانية تولى منصب أمير أمراء إيالة الحسا ما بين 1018-1044هـ/ 1609-1634م، تولى هذه الفترة بعد وفاة أمير أمراء الإيالة بهرام باشا، وكان يشغل، فيما سبق، أمير لواء في الإيالة.
شرع علي باشا من البداية في مواجهة الصعوبات التي تعترض الإيالة، فقام بتنظيم الأمور الإدارية في الإيالة، وتعزيز قواتها العسكرية، واستحكاماتها الدفاعية، وترميم المهترئ منها بدعم وتأييد من المجلس السلطاني في استانبول.
استمر علي باشا في منصبه حتى عام 1044هـ/ 1634م، وكان كبير السن، وتشير الرواية المحلية إلى أن أحد أبنائه «محمد» قد زور رسالة باسم أبيه أثناء زيارته السنوية لاستانبول تتضمن طلبه إعفاءه من منصبة، نظراً لكبره، وعجزه، وأنه يوصي بتعيين ابنه حامل الرسالة بدلاً منه، وأن استانبول - وفقاً لتلك الرواية - استجابت لذلك الطلب وزودته بقرار سلطاني يقضي بعزل علي باشا، وتعيين ابنه بدلاً منه.
لقد تأثر كثيرًا من خيانة ولده محمد، فآثر الاعتكاف، وهاجر إلى المدينة المنورة وأقام بها إلى أن توفي.
و «أمير أمراء» لقب به علي باشا بعد أن استلم زمام حكم في إيالة الحسا، ومنصب أمير أمراء أعلى منصب إداري في الإيالة، وهو بمثابة الحاكم العام للمنطقة التي تشملها الإيالة بما فيها الألوية، وهو الممثل الأول للسلطان العثماني في الإيالة، وكان يتمتع داخل إيالته بسلطات مشابهة للسلطات المخولة للصدر الأعظم في سائر مناطق الدولة العثمانية.
سور القطيف:
جانب من سور القلعة بالقطيف
تذكر كثير من الروايات أن قلعة القطيف كانت مسورة قبل تاريخ النقش «1039هـ»، ولا يمكن تحديد تاريخ معين لبنائه، ولكن حصل له ترميم لعدة مرات وآخرها تاريخ النقش، ومن الروايات الدالة على وجود السور قبل سنة 1039هـ:
1- ينقل المرحوم المسلم عن أبي الفداء «672-732هـ» في كتابه «تقويم البلدان» أن القطيف لها سور وخندق، وبها أربعة أبواب، والبحر في حالة المد يتصل بسورها.
2- يذكر الأستاذ غباشي أن العثمانيين قاموا بإصلاح قلعة القطيف وسورها بعد أن دمرها البرتغاليون أثناء احتلالهم للقطيف.
3- يقول الأستاذ الدرورة أثناء حديثه عن قلاع القطيف أثناء الاحتلال البرتغالي «القطيف مدينة محصنة بها سبعة أبراج...».
4- أورد الأستاذ الملا عند حديثه عن القطيف وسورها:
«ولقد دون تاريخ بناء سور القلعة في كلمة «محفوظة»، وتعني بحساب الجمَّل سنة ألف وتسع وثلاثين هجرية، وهذا التاريخ يمكن اعتباره صحيحاً لإعادة بناء السور لا لتأسيسه؛ لأن المصادر تدل على أن هذه المدينة كانت محاطة بسور قبل هذا التاريخ، ولكنه أزيل على يد البرتغاليين، حيث كانت الحرب تدور سجالاً بينهم وبين العثمانيين في هذه المنطقة غير أن العثمانيين أعادوا بناءه سنة 1039هـ».
ومن هنا يظهر جليًّا وجود السور قبل وجود العثمانيين في القطيف في مرحلتهم الأولى.
كما أن هناك من يرى أن قلعة القطيف لم تكن مسورة قبل تاريخ النقش، ومن يدعم هذا الرأي:
1- يذكر الشيخ فرج العمران «رحمه الله» في أزهاره بيتين من الشعر يذكرهما في آخر عجز البيت الثاني تاريخ تسوير القلعة بحساب الجمل:
القـلـعـة المحـبـوبـة المحـفـوظـة بعيـن بــارئ السـمـاء ملحـوظـة
وأنـهـا من شــر كـل غـاشـم مذ سورت قد أرخت «محفوظة»
وكلمة «محفوظة» بالحساب الجُمَّل تساوي «1039هـ».
2- السيد حسن العوامي فيقول: «أن قلعة القطيف لم تكن مسورة، وسورت في سنة 1039هـ/ 1630م»، يقصد تاريخ النقش.
وصف السور:
تجديد بناء السور كان لتحصين قلعة القطيف لصد الهجوم على البلد، وخاصةً من البرتغاليين الذين يحاولون تجديد احتلال القطيف في تلك الفترة، فالسور تم الاعتناء به بشكل كبير لحماية القلعة من الغارات والغزوات، ولحماية أمنها فهو سور منيع مبني من الصخور والحجارة ومسيّع بالجص المصهور، يبلغ سمكه 7 أقدام، وارتفاعه 30 قدماً، وتبرز من جوانبه وزواياه أبراج عالية مستديرة الشكل يبلغ عددها 11 برجاً، وللأبراج قواعد تُركب فيها المدافع، وهي للدفاع عن القلعة، ويربط بينها جسر على امتداد السور بعرض مترين في أعلاه حيث يتنقل عليه الحراس بخيولهم أثناء الليل من برج إلى برج للمراقبة، وكان في السور أربع بوابات ضخمة مصفحة بالحديد «دروازة باب الشمال، وتقع في وسط ضلع السور الغربي، تقريبًا، دروازة السوق، وتقع في الركن الجنوبي الغربي من السور، دروازة البحر، وتقع في منتصف ضلع السور الشرقي المواجه للبحر، الدروازة الرابعة تقع في الركن الشرقي الشمالي، وتسمى دروازة الكوت»، وهذه البوابات تفتح نهاراً وتغلق ليلاً في أيام السلم، والقلعة المحاطة بالسور مقسمة إلى أربعة أحياء «فريق الزريب، فريق الخان، فريق السدرة، فريق الوارش».
ترى ماذا فعل آل سعود بالسور ؟ !!!
أزيل السور الآن نهائيًّا وكان على مراحل يقول الخنيزي في ذلك: «امتدت يد الزمن [ يد آل سعود ] للسور عام 1373هـ عندما أبرمت الدولة مع أحد المقاولين يدعى» النقادي «مشروعاً مد جسر بحري ويربط جزيرة تاروت مع بقية قراها كدارين، وسنابس، والزور بحاضرة القطيف، فتفاهم هذا المقاول مع بلدية القطيف، فأخذ يهدم في سور القلعة الضخم ليغطي بصخره البحر، إلاّ أنه لم ينجح في مشروعه، وأعطي المشروع مقاول آخر فقام بالمشروع وأكمله، وأخذ السور يتهاوى بعد أن أزيل منه أجزاء كبيرة، والبقية منه أندثر في مشروع إزالة القلعة
علي التاروتي / عن مجلة الواحة ( بتصرف ) الصادره بتاريخ 26 / 2 / 2007م
|