الأحساء في التاريخ ...


أضواء على تاريخ دولة الأحساء (2)

 

رأينا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة الخاصة عن خلفيات إستيلاء الأسرة السعودية على دولة الأحساء والقطيف كيف تمكن ـ عبد العزيز بن سعود ـ بالتعاون مع عميل المخابرات البريطانية في شبه جزيرة العرب من خداع بعض وجهاء ورؤساء دولة الاحساء والقطيف من خلال الوعود التي قدماها لهم عن تمكينهم من حكم انفسهم بأنفسهم من خلال مجلس استشاري خاص بهم يتولى إدارة دولتهم , مقابل تعاونهم في طرد الحامية التركية من تلك المنطقة .
وهكذا وبموجب تلك العهود إطمأن وجهاء وزعماء القبائل التي اتصل بها ـ عبد العزيز بن سعود ـ مع عميل المخابرات البريطانية ـ جون فيلبي ـ وتواعدت الأطراف المشتركة في ذلك الإتفاق من أهالي الأحساء على القيام بفتح ابواب مدينة ـ الهفوف ـ عاصة الأحساء والقطيف ليلاً للقوات التي سيقودها ـ عبد العزيز ـ بهدف الإستيلاء على المدينة بعد القضاء على الحامية التركية فيها , وهي طريقة ـ لايخفى على القارئ الكريم مشابهتها لطرق اللصوص ـ الهاربين من المواجهة الحقيقية في ميادين الوغى.
المهم ... أنّ ساعة تنفيذ الخطة المتفق بشأنها قد حانت في الخامس من شهر جمادي الأولى سنة 1331 هـ الموافق للثاني عشر من شهر أبريل عام 1913 م . يومها وصل ـ عبد العزيز بن سعود ـ إلى الأحساء مع مجموعة مسلحة تابعة له كان عدد أفرادها ألف شخص أنّتشروا في البساتين المجاورة للمدينة على أنهم بدو رحّل وكمنوا في تلك المناطق انتظارًا لقدوم الليل حسب الخطة التي أتفقوا بشأنها مع من وعدهم بالمساندة من أعيان الأحساء .
في تلك الليلة فتح لهم الذين اتفقوا معهم من أهالي الأحساء فجوة في جدار سور الهفوف وهو سور كان يحيط بها من كافة جوانبها ـ الهفوف هي عاصمة الأحساء ـ وهكذا تسلّل جنود غزو ـ عبد العزيز ـ المسلّح من تلك الفجوة , كما يتسلّل قطاع الطرق واللصوص , وهاجموا القلعة التركية التي لم يكن بها سوى 64 جنديا تركيا. وعلى الرغم من قلّة جنود الحامية التركية إلاّ أنّها لم تستسلم أمام اللّصوص المتسلّلين في جنح الظلام , واستمرت مقاومتهم لفترة طويلة تلك الليلة ، وفي النهاية كان لابد للكثرة أن تغلب وتفرض وجودها , عندما تمكن احد اتباع ـ عبد العزيز ـ من تسلق سور المدينة وقام بفتح أحد ابوابها لبقية من معه , والذين سرعان ما تمكّنوا من دخولها , وقاموا من فورهم بذبح كافة افراد الحامية التركية , والقوا بجثثهم من فوق الأسوار , ولتنتهي بمقتلهم المقاومةالتي ساندها في البداية بعض سكان المدينة قبل أن يفاجؤوا بتمكن جنود ـ عبد العزيز ـ وهم يحيطون بمنازلهم شاهرين سيوفهم معلنين بأعلى أصواتهم أن كل من يقبض عليه وسط الشارع او خارج بيته سيذبح فورًا مع كامل افراد اسرته .
كانت كل تلك الاحداث تتم في تلك الليلة , والأمير السعودي ـ عبد العزيزبعيدًا عنها بعد ان دبّر له أحد العملاء ممن تآمروا معه على الإستلاء على المدينة مكانًا آمنًا في بيته إختبأ به إنتظارًا لما يمكن أن يحدث .
وهكذا حلّ الإحتلال والخراب السعودي في الأحساء , وليبدأ منذ تلك الليلة تاريخ أسود طبع المنطقة وكافة مناطق ودول ومشيخات وقبائل شبه جزيرة العرب بطابع الفساد , والذل والخراب , والقهر , والتجهيل , والفقر . كان أول شيء فعله الأمير السعودي ـ عبد العزيز ـ بعد إعلامه بنبأ الإستيلاء على المدينة والقضاء على الحاميةالتركية فيها المسارعة بإعلام صاحبه عميل المخابرات البريطانية ـ جون فيلبي ـ بالإنجاز الذي حققّه في الأحساء , ثم بادر بالغدر بمن استقدمه وفتح له ابواب المدينة للقضاء على الحامية التركية فيها ,حيث كان مصيرهم جميعًا مثل مصير أفراد الحامية التركية , فتم ذبحهم هم أيضًا , ثم قام الأمير السعودي وافرادالعصابة التي كانت معه باستباحة المدينة بكاملها ليلا ونهارًا ,فنهبت أسواقها ودُورها , ومنازل سكانها , واعتدوا على شرفائها بالسّب والشتيمة , وكانوا يقومون بتعذيب كل من يشتبه في أنه قاوم غزوهم بأية طريقة من الطرق ولو بالهمس في صدره , كما قاموا بالاعتداء واستباحة اعراض نساء المدينة , تمامًا كما يفعل اللصوص والقراصنة . ثم قام الأمير السعودي بفرض ضريبة لم يسمع بها إنسان من قبل وهي ضريبة ـ الجهاد المربّع ـ وهي ضريبة باهظة فرضت على كل سكان الأحساء والقطيف والمناطق المجاورة لها يتم بموجبها ان يدفع كل مواطن يقيم في تلك المناطق ـ أربع ضرائب ـ في العام تدفع له مباشرة , وكانت الضريبة تفرض احيانًا ـ اربع مرّات ـ ايضا في الشهر , وأحيانًا في الأسبوع , والويل لكل من يعترض او يرفع صوته برفض .
وكانت الضريبة تدفع لخزينة الأمير شخصيًا بدون أية واصلات أو ما شابهها , وليس مقبولا من أي مواطن ان يطالب بأي اثبات على تسديد ما فرض عليه من ضريبة , وهي ضرائب كانت تفرض بمناسبة وبدونها , وعلى الجميع تلبيتها دون إبطاء , ودون سؤال , أو تذمّر , وكانت كل الأموال المنهوبة تسخّر في بناء قصور أمراء الأسرة المارقة , والصرف منها على ملذّاتهم وبذخهم وعربدتهم . ويذكر سكان الأحساء حتى اليوم قصة ذلك المواطن الفقير السقّاء (بائع الماء) ( محمد الدحيم ) من ـ محك الرقيات ـ والذي أرغمه حكام أسرة ـ آل سعود ـ على بيع إبنته في السوق مقابل تسديد ضريبة "الجهاد المربع" .
كما أنهم لازالوا يذكرون قصة المواطن ( علي بن صالح ) الذي توجه إلى قصر الأمير السعودي في الهفوف ليثبت له أنّه لا عمل ولا مورد له , ولا أطفال أو بهائم يمكن أن يبيعهم أو يرهنهم لتسديد ما فرض عليه من ضرائب , فما كان من الأمير السعودي إلاّ أن أمر خدمه بربط يديه ورقبته بحبل إلى مؤخرة حصأنّ ركبه أحد الخدم وأخذ يجرّه في الطرقات , ولم يتمكن المواطن المسكين من تحمّلأ تلك المهانة والمذلّة والعذاب فلفظ أنفاسه مقهورًا بعد أربع ساعات من الجّر.. وهناك مئات ـ بل آلاف ـ الأمثلة الأخرى من أنواع ممارسات ـ آل سعود ـ ضد أهالي الأحساء والقطيف , والتي تبيّن مدى الحقد الذي يكنّونه لكل من هو ليس من جنسهم , ولا هدف منها سوى ممارسة أشد أنواع الإذلال ضد المواطنين في كامل شبه جزيرة العرب , ليس أقلها ما سقناه من نماذج عنها قبل قليل , وليس أقلّها أيضًا ما فعله أتباع تلك الأسرة الماجنة من خلال قيامها بمصادرة أراضي الفلاحين ونخيلهم، في العديد من مناطق الأحساء والقطيف من بينها كمثال ـ الحقل ـ وـ العمارـ وـ الشراع ـ وـ الشهيبي ـ وـ ابو اسحيل ـ وـ الشطيط ـ وـ السحمية ـ وـ القرين ـ وـ بستأنّ الدليقية ـ في الهفوف , وـ بساتين المهرام ـ وـ الصقيهية ـ وـ الفخارية التي استولى عليها ـ آل سعود ـ قهرًا من أصحابها الشرعيين وقاموا بتوزيعها على ذويهم وأمرائهم , تاركين أصحابها في العراء يطحنهم الجوع وقلّة الحيلة .  

 

ناصر الجحيلان ـ الهفوف