رسائلكم...

 

تجربتي في الحج
 الجزء الثالث

 

مكتب الوكلاء الموحد
على كل حال، عندما تخرج من المطار سالما تتجه إلى قسم الإركاب في "مكتب الوكلاء الموحد" ليتم تسفيرك إلى مكة.
 هذا القسم مؤلف من مجموعة من الطاولات يجلس حول كل منها حوالي عشرة من الموظفين السعوديين والسودانيين والمصريين.. وجنسيات أخرى. هؤلاء الموظفون غالبيتهم أعضاء شرف، يجلسون للنظر إلى الحجاج أو ينامون على كراسيهم يأمرك أحدهم (تظنه رئيس الطاولة) بالصعود مع حجاج آخرين إلى هذا الباص، فتفعل لتفاجأ بعد دقائق بأمر ثان من زميل له كان نائما، بإخلاء الباص والإنتقال إلى آخر، مع ما في ذلك من مشقة نقل الأمتعة والحقائب التي ربطت على سطح الباص، إرتجال بارتجال والحجاج قطيع من الأغنام .. صدقوني إني تنقلت بين ثلاث باصات قبل أن يسير الأخير باتجاه مكة. ولما كان خاليا من التبريد فقد كادت رائحة البنزين تقتل الحجاج جميعا لأن النوافذ الصدئة لا تفتح وأشعة الشمس اللاهبة تفعل فعلها في رؤوس الحجاج المرهقين المحرومين من النوم منذ أكثر من 24 ساعة.
أنا غريب عن مكة
في مكة يتم تسليمك باليد بواسطة السائق إلى أحد مكاتب المطوفين . يأخذ مدير المكتب جوازك. وعندما تتجه للإنضمام إلى السكن الذي خُصص لك ولرفاقك في الراحلة تفاجأ أن شرطي المرور لا يستطيع مساعدتك في العثور على العنوان. يقول لك: أنا غريب عن مكة (لماذا تم إحضاره إليها إذن؟!) وكذلك جندي الإطفاء ورجل الأمن العام .. وكل من يمثل الدولة. وحتى سائقو التاكسي لا يعرفون العنوان فتضطر للسير على قدميك مفتشا باحثا محملقا في أسماء الشوارع والبنايات والفنادق والساحات حتّى تعثر على ضالتك وأنت على الرمق الأخير. أذكر في هذا الصدد أني خلال وجودي في مكة أحببت ان أتمتع "بخدمة" أحد الباصات الحكومية لأصل إلى مستشفى الملك فيصل الشهير لعيادة أحد رفاق الرحلة. في موقف الباصات سألت عددا من السائقين والموظفين الحكوميين الذين يبيعون التذاكر أو ينظمون سير الباصات عن رقم الباص الذي يتوجب عليّ الصعود إليه فكانت الأجوبة متناقضة : لقد أعطوني الأرقام 10 و 3 و 5 و 12 فمن أصدق ومن اتبع ؟ بعض الموظفين في موقف الباصات المواجه للحرم المكي قال : لا أعرف .. أنا لست من هنا. بعد أن تصل إلى سكنك ترتاح قليلا وتسرع الخطى إلى المسجد الحرام للطواف والسعي ويكاد قلبك يقفز من صدرك ليسبقك إلى جوار الكعبة المشرفة.
أسلحة حول الكعبة
على أبواب المسجد تلاحظ مجموعات من الشرطة تحمل هراوات سوداء ضخمة تنتظر الحجاج "لخدمتهم" فترتعد فرائصك سيما بعد أن تلاحظ العشرات من رجال المخابرات أثناء سيرك وهم يلبسون ثيابا مدنية ويحملون أجهزة اتصالات لاسلكي. التفتيش الدقيق على باب المسجد الحرام يزيد من توترك لكنك تشكر الله أن من فتشك كان رجلا لأن زميلك الذي كان إلى يسارك فتشته امرأة.
 نعم إمراة محجبة وملفوفة بعباءة سوداء لا يظهر منها إلا عيناها، حتّى أصابعها مغطاة بقفازات سوداء؟ أول ما تشاهده في الداخل رجال الشرطة الموزعين بين الناس وكذلك رجال المخابرات الحاملون أجهزة الإتصال. تقترب للطواف فترى طوقا مزدوجا من الجنود يحيط بالكعبة المشرفة على مسافة أمتار منها مع شريط آخر من الجنود يصلها بباب الملك عبد العزيز.
 الجنود يحملون مسدساتهم وبنادقهم وتساندهم مجموعات تتركز في أماكن متفرقة من المسجد. كيف الطواف ؟ لا مجال لذلك .
 تسأل عما يجري فيجيبك أحد الحجاج أن أمير مكة المكرمة يغسل الكعبة مع رجال السلك الدبلوماسي ! وتستمر مراسم الغسل فترة طويلة ويبقى الطواف معطلا ومختنقا و "محروسا" ببنادق الجنود. وهذه الظاهرة تتكرر من حين لأخر فقد كنت أرى أحيانا مجموعة من الجنود بأسلحتهم تحيط بشخصية من اسرة آل سعود أو ضيف من ضيوف المهلكة وتشق له طريقا وسط الحجاج الطائفين بطريقة فجة ومؤلمة.
 تنهي طوافك بصعوبة وتكاد تختنق كل مرة تصل فيها إلى محاذاة الحجر الأسود الذي تستبعد فكرة الإقتراب منه للمسه وتقبيله وتكتفي بالإشارة إليه من بعد . فالشرطي الواقف بمحاذاته لا يتوقف عن ضرب الواصلين إليه ونهرهم للإبتعاد عنه بسرعة لترك المجال لغيرهم .. ولكن دون جدوى، فإذا كان الضغط على الخط الموازي للحجر الأسود والممتد على الأرض حتّى نهاية الباحة، يقطع أنفاسك ويخل بتوازنك ويستنفر كل قواك كي لا تقع أرضا، فكيف بما يجري عند الحجر الشريف نفسه ؟ أيجوز للطائف أن يصل إلى الحجر حتّى لو اضطر إلى التسبب بأذية غيره من الحجاج وربما جرحهم وإيلامهم؟! صلاة الطواف خلف مقام إبراهيم تتم دون استقرار .
 فالطائفون يدفعونك حتّى لو كنت بعيدا عن خط سيرهم والعابرون لا يراعون حرمة لمصلً. تشرب ماء زمزم وتتجه للسعي فتجد أن الإختناق أصعب. السير متوقف بين الصفا والمروة عند منتصف الشوط .
 مشادات أخرى وتدافع أشد وجموع متوترة دون مساعدة أو تنظيم أو توجيه. تنتهي من السعي بصعوبة بعد ساعات وتتفرغ لأداء بعض الصلوات فتصرف وقتا غير قليل وأنت تفتش عن مكان هاديء لذلك. الآلاف من الحجاج نائمون في باحات المسجد. الأدراج المؤدية إلى الكعبة مزدحمة بالجالسين الذين تخترقهم بصعوبة مع أن المفروض أن تبقى تلك الممرات خالية. حتّى النسوة تراهن نائمات في أوضاع مخجلة.
 هل أصبح المسجد الحرام فندقا للنوم أم انّه مكان للعبادة؟ فيما بعد شاهدت أعدادا غفيرة من الحجاج تعيش تحت الجسور وعلى الأرصفة ووسط الطرقات.
 تعيش : يعني أنها تنام وتأكل وتشرب وتطبخ وتغسل وتنشر وتقضي حاجاتها الطبيعية وتستقبل الزوار.. وإلى جانبها أكوام من القمامة والزبالة والقاذورات وخاصة عند جسر الممرات في منى.
قطط أمام الكعبة
جلست أتأمل في المحيطين بي . بعض الصاحين كانوا يتبادلون أحاديث دنيوية وآخرون كانوا يصيحون لبعضهم البعض بلهجاتهم المحلية .. وفجأة سمعت صراخاً غير بعيد عني، عرفت أنه ليس صوت إنسان لكني استبعدت ما طرأ في خيالي فورا .
 تلفت إلى مصدر الصوت فتحقق ظني . لقد كانت هناك قطتان تتعاركان تحت كرسي كبير وضع داخل باحة الكعبة (مخصص "لإرشاد" الحجاج ولكنه في الغالب كان خاليا من صاحبه).. تتعاركان : كر وفر وتشقلب وعض ومواء ممطوط بصوت عال.
 الحجاج القريبون من الكرسي انصرفوا لمتابعة تلك المنازلة القططية. وخلال ترددي على المسجد الحرام كنت أشهد المزيد من القطط.. وبعضها نائم كالحجاج. أيجوز ذلك ؟ سؤال لأهل العلم !