|
هذه حكايتي مع هيئة الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف قد سبق وأن أرسلت نسخاً منها إلى العديد من المنظمات والهيئات وهذه نسخة إليكم أيها السادة المشرفين على موقع دولة الاحساء والقطيف
سوبربان هيئة الأمر بالمعروف الجوّال واسع اتساع مفهوم الشبهة الذي سيبدو مادة سائحة وطيعة كلما تركناه لتقديرات الافراد في هذا الجهاز.
لن تعرف كم يبدو باب السوبربان واسعا إلا إذا وقعت مثلي في قبضة يد الهيئة، واصبحت بسبب تجوالك العائلي في السوق محل شك وريبة، ما يكفي لدخولك في جولة مناورة مع الذين نذروا أنفسهم لحراسة الفضيلة.
ستجد نفسك منخرطاً في سباق سين وجيم احترازي كمقدمة لتحقيق طويل سيبدأ من عند السؤال عن الاسم والهوية وصفة المرأة التي تصاحبك في رحلة الشراء، والتي ستصبح في لحظة غياب دفتر العائلة مجرد عشيقة لا تنقذها حتى بطاقة ارامكو التي تشير إلى لحوقها بي كزوجة، حتى تصل جولة الاسئلة عند حدود التفتيش الفكري الذي سيطال موقفي من عوالق الصراع الطائفي بين الفرق الاسلامية!.
حصل هذا وأنا أجول كباقي خلق الله في أسواق حي سلطانة بمدينة الرسول الاكرم، يومها كنت زائراً لطيبة الطيبة، أتأمل كالأطفال رسوم العمران الحديث على خارطتها ولمسات الحداثة التي تتسرب من تلك المجمعات المتكاثرة، وافترض في ذهني ما يمكن أن يتركه هذا الاختراق للمدن التقليدية على الانسان وثقافته فيها.
وفي سهو من الزمان كان نسيان دفتر العائلة بالفندق تلك الليلة بمثابة الخطيئة التي سنحمل لأجلها صاغرين إلى مكتب الهيئة، محشورين في سوبربان النزهة المفترضة، نزهة مليئة بالمفاجآت والتحولات في سياق الحدث الذي بدأ في الشارع وانتهى داخل الغرف الداكنة.
وجه زوجنا المكشوف كان هو فاتحة الخلاف مع افراد الهيئة، فقد ارتأت أن تلتزم بحدود الحجاب الشرعي، وارتأوا التشديد على صورة الغطوة والبرقع العربي، فيما فشلت مبكرا في اقناعهم بأن ثمة فسحة للاجتهادات في دائرة الاسلام وأن هناك من لا يرى الوجوب في ستر الوجه.
في مكتب الهيئة تطورت المسألة من الكشف عن الوجه إلى تعذر إثبات هوية الزوجة، إلى حيازة مطبوعات مخالفة، ومن ثم بلغ المشهد ذروته الدرامية بالوصول إلى جلسة مناصحة للعدول عن مذهب الضلال والحياد عن عقائد الشرك والكفر!.
ساعة ونصف الساعة قضيناها بكثير من المهانة والتعدي على الخصوصية الشخصية بالتفتيش الذاتي وفحص محتويات الجوال والمحفظة الشخصية..ولا شيء في كل ذلك الوقت كان له علاقة بدفتر العائلة او كشف الوجه، بل كان وقتا منذورا بكامله للتفتيش في الافكار والنيل من معتقدات الطائفة التي اتشرف بالانتساب إليها، حتى عمد الفريق المتواجد إلى استدعاء شيخ آخر ليقوم بمهمة المناصحة التي شدد فيها على ضرورة اختيار طريق الحق بدل الركون إلى المعتقدات الباطلة، وبدء بالقاء محاضرة لاثبات عدالة الصحابة، ماراً بقضية تحريف القرآن، وفساد الرواة الشيعة، وتقولهم على ائمتهم،ومنهيا جلسة المناصحة بدعوتنا للرجوع إلى كتب إحسان الهي ظهير وكتاب لله ثم للتاريخ والتي فيها ردود شافية كما يرى على تلك العقائد!.
لون البنفسج كان شاهدا تلك الليلة على عدد الاقرارات والتعهدات الوافرة التي بصمنا فوقها، تلك الاوراق التي تصب في تجريم الكشف عن الوجه والخروج من دون اوراق رسمية، مع الاصرار على مصادرة كل ما يتعلق بالمعتقدات الدينية في حقيبة الزوجة.
وبعد اللتيا واللتي خرجنا بشفاعة من شيوخ تلك السهرة في هيئة سلطانة وكلهم أمل أن يأخذنا الطريق إلى الهداية!..خرجنا نبتسم للشوارع من شدة الذهول والحيرة، نبحث يمينا ويسارا عن سيارة أجرة تعيدنا إلى جوار الحرم النبوي، هذا الحرم الشريف الذي قصدناه لنستذكر السيرة العطرة للنبي الكريم، نبي الرحمة ورسول المحبة، ولنشارك سائر المسلمين تضامنهم من هذا الموقع المبارك في إنكار إساءات المسيئين له، فكان أن وسعنا المسجد بكل مآذنه الصادحة بذكر الله ولم تسعنا قلوب أولئك الذين لم يتجردوا من حماسة المصارعات الطائفية، ولم يستوعبوا هذه اللحظة التي نحاول جميعا فيها أن نؤسس لمفهوم التعايش واحترام الاختلاف.
|