|
اختلف أهل العلم في حكم التفضيل في العطاء من المال العام، لغير حاجة، ولا مصلحة، بل لمقتضى آخر، هو الفضيلة الدينية، كالعلم، وعظم البلاء للدين بالدعوة والجهاد، وكان خلافهم على قولين:
القول الأول: لا يجوز التفضيل في العطاء بالفضيلة الدينية، وهذا قول أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب – رضي الله عنهما – وعطاء، وهو قول الشافعي، وقول عند الحنفية، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد.
القول الثاني: يجوز التفضيل. وهذا قول عمر وعثمان – رضي الله عنهما – والقول الثاني عند الحنفية، ونسبه ا بن تيمية إلى مذهب مالك، والرواية الثانية عن أحمد اختارها ابن قدامة.
الأدلة:
أولاً: استدل القائلون بعدم جواز التفضيل: بالآتي:
الدليل الأول: إن الله – عز وجل – قسم المواريث على العدد، ولم يفضل بعض الأبناء على بعض، مع كونهم متفاضلين في الغناء عن الميت، والصلة في الحياة، والحفظ بعد الموت، فكذلك لا تفضيل في العطاء.
الدليل الثاني: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أربعة أخماس الغنيمة على الغانمين، ولم يفضل، مع تفاضلهم في الغناء، فإن منهم من يغني غاية الغناء، حتى يكون الفتح على يديه، ومنهم من يكون حضوره إما غير نافع، وإما ضرراً على المسلمين بالفرار والجبن والتخذيل، فإذا لم يجز التفضيل بين الغانمين فكذلك بين مستحقي العطاء.
ونوقش بأمرين:
المناقشة الأولى: قياس من يستحق العطاء على الورثة والغانمين قياس مع الفارق؛ لأن الميراث والغنيمة مستحقان بسب، لا بعمل، وأما العطاء فمستحق بعمل .
ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة بأنه لا يسلم أن قسم الغنيمة مستحق بسبب، بل هو مستحق بعمل، وقد قال الله – عز وجل -: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ) (الأنفال: من الآية41) فجعل الغنيمة من عملهم .
المناقشة الثانية: لا يسلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفضل بعض الغانمين على بعض، بل ثبت ذلك، حيث كان يفضل بعضهم بالنفل زيادة على سهمه في الغنيمة .
الدليل الثالث: إن الفضل ثوابه على الله – عز وجل – وأما العطاء فمعاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة .
ويمكن أن يناقش: بأنه مع التسليم بأن الفضل ثوابه على الله – عز وجل – إلا أن ذلك لا ينافي جواز الإثابة في الدنيا.
ثانياً: أدلة أصحاب القول الثاني القائلين بالجواز:
الدليل الأول: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فضل بعض الغانمين على بعض من أربعة أخماس الغنيمة على عظم البلاء، ومما ثبت في هذا:
1 – عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدو نفَّل الربع، وإذا أقبل راجعاً وكلَّ الناس نفَّل الثلث .
دل الحديث على جواز التفضيل من وجهين:
1 – أن النبي صلى الله عليه وسلم فضل بعض الغانمين على بعض من أربعة أخماس الغنيمة لبلائهم؛ إذ النَّفل زيادة على سهم الغنيمة، قال ابن تيمية: وهذا تفضيل لبعض الغانمين من أربعة الأخماس.
ب – أنه صلى الله عليه وسلم أجرى المفاضلة بين من فضَّله بالنفل – أيضاً – حيث نفَّل السرية إذا أغارت والجيش قد قفل راجعاً من الغزو أكثر مما نفلها به إذا أغارت في مبتدأ الغزو والناس مقبلون عليه؛ نظراً منه صلى الله عليه وسلم إلى شدة البلاء؛ لأن الإغارة عند قفول الجيش أشق عليهم وأعظم خطراً؛ لقوة الظهر عند دخولهم، وضعفه عند خروجهم، وهم في الأول أنشط للسير والإمعان في بلاد العدو، بينما عند القفول أضعف، وأفتر، وأشهى للرجوع إلى بلادهم، فزادهم لذلك .
2 – وعن سلمة بن الأكوع حديث غزوة ذي قُرَد، حين أغار عبد الرحمن الفزاري على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاقه.. وفيها أبلى سلمة بن الأكوع وأبو قتادة بلاءً عظيماً، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان خيرَ فرساننا أبو قتادة، وخيرَ رجالتنا سلمة قال سلمة ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما إليَّ جميعاً .
فإعطاؤه صلى الله عليه وسلم سلمة سهم فارس نفل؛ لأن سلمة إنما يستحق سهم راجل؛ لكونه في تلك الغزوة كان راجلاً، وما كانت هذه الزيادة إلا لعظم بلائه.
فإذا جاز التفضيل في الغنيمة – مع أن مستحقيها معينون – جاز في العطاء من المال العام؛ لأن مستحقيه غير معينين.
الدليل الثاني: قول عمر – حين قسم المال -: ولكنا على منازلنا من كتاب الله، وقسمة رسول الله، فالرجل وبلاؤه، والرجل وقدمه، والرجل وحاجته، والرجل وعياله، فقول عمر ولكنا على منازلنا من كتاب الله، وقسمة رسول الله فيه إشعار بأن التفضيل لم يقع من عمر اجتهاداً، بل بما علمه من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ونوقش بأن أبا بكر قد خالفه، ويبعد أن تخفى عليه سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القضية مع شدة متابعته للرسول، فلو كانت سنة ما تركها، ولعل هذا فهم من عمر لم يوافق عليه، فلا حجة فيه مع مخالفة أبي بكر.
الترجيح/ الراجح أن الأصل التسوية، ويجوز التفضيل، على أن يتحرى فيه ولي الأمر العدل والنصفة، بحيث لا يفضل لهوى؛ وذلك للآتي:
1 – إن أدلة المانعين ليس فيها ما يدل على عدم الجواز – مطلقاً – وإنما غاية ما فيها إثبات أن الأصل التسوية، وهذا لا ينافي ثبوت التفضيل – أحياناً – لاعتبارات صحيحة.
2 – إن المنافسة على الخير، وتحصيل الفضائل الدينية، والاجتهاد للدين وأهله، من مقاصد الشرع التي ندب إليها، وأثاب عليها، ومن الناس من لا ينبعث إلى الخير إلا مع حظ من الدنيا، فجاز التفضيل؛ تحقيقاً لمقاصد الشرع، وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم أحد الأجرين الموعود بهما المجاهد الغنيمة، وهي حظ دنيوي؛ ليحصل مقصود الشرع، وهو إقامة الجهاد.
فإذا تبين أن التفضيل في العطاء لا يكون إلا لحاجة، أو مصلحة، أو فضيلة مردها إلى تقديم من قدمه الله ورسوله، فيحرم على ولي الأمر تفضيل أحد ليس في تفضيله مصلحة، ولا دفع حاجة، ولا رعاية فضيلة دينية، فإن فضل لهوى فقد أعطى ما لا يجوز له إعطاؤه، وكان الآخذ آخذاً ما لا يستحق، قال ابن تيمية: وإذا عرفت أن العطاء يكون بحسب منفعة الرجل، وبحسب حاجته في مال المصالح.. فما زاد على ذلك لا يستحقه الرجل إلا كما يستحقه نظراؤه... ويكون المأخوذ – حينئذ – أمانة في يد الآخذ، يجب ردها لبيت المال، قال البلاطنسي: ولو أطلق (لأحد) من بيت المال فوق ما يستحقه؛ إما غلطاً من الإمام، أو جوراً، فإن ذلك الزائد لا يستحقه المطلق له، بل يبقى في يده أمانة شرعية، يجب ردها لبيت المال ويكون المعطي المفضِّل لهوى مسيئاً بهذا التفضيل، مستحقاً للطعن فيه، قال ابن تيمية: وإنما يطعن في تفضيل من فضل لهوى؛ وذلك لأنه تصرفَ فيما لا يملك تصرُّفَ المالكين.
[ ونقول إن هذه الدراسة أو هذا البحت يدمغ آل سعود ويفضحهم وسينال الوهابي الذي كتبه خير الجزاء عند الله ويكفر عنه جزء من سيئاته ]
|