|
ما يتحقق به العدل في إنفاق المال العام: يتحقق العدل في المال العام بما يأتي:
أولاً: إعطاء كل ذي حق حقه:
كل من ثبت استحقاقه في المال العام وجب على ولي الأمر أن يعطيه حقه؛ لأن ذلك جزء من المسؤولية المنوطة به في المال العام، فإن الله – عز وجل – قد خوله قسم المال بين مستحقيه، فإن منع الحق عن مستحقه فقد أخل بمسؤوليته، بل إن من مسؤوليته البحث عن المستحقين، وإيصال حقوقهم إليهم.
قال ابن تيمية: فعلى ذي السلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كلَّ ذي حق حقه(50). وعليه إعطاء الحق كاملاً غير منقوص، فإن كان المستحق من أهل المصالح وجب إعطاؤهم ما يقوم بكفايته، وإن كان من أهل الحاجات وجب إعطاؤه ما يسد حاجته، قال السرخسي: فعلى الإمام أن يتقي الله في صرف الأموال إلى المصارف، فلا يدع فقيراص إلا أعطاه حقه من الصدقات، حتى يغنيه وعياله(51).
ثانياً: أن يكون ثبوت الاستحقاق في المال العام وفق الشرع: بأحد أمرين
ويثبت الاستحقاق في المال العام:
1 – الحاجة.
2 – المصلحة.
وما عدا هذين فلا يستحق به أحد شيئاً من المال العام – كما تقدم-.
وعلى هذا فليس لولي الأمر أن يثبت لأحد حقاً في المال العام بسبب آخر غير هذين السببين، ككونه قريباً له، أو من أعضاء جماعته، أو حزبه، أو لما بينهما من مصالح خاصة؛ لأن ذلك ظلم ينافي العدل الواجب في المال العام، وكما ليس له ذلك، فليس له أن يخصه بعطاء وإن لم يُثْبِت له استحقاقاً – دائماً – لأنه خلاف العدل، قال ابن تيمية: لا يجوز للإمام أن يعطي أحداً ما لا يستحقه؛ لهوى نفسه، من قرابة بينهما، أو مودة ونحو ذلك .
ثالثاً: التسوية في العطاء:
والمراد: التسوية بين المسلمين في دفع الحاجات، لا في قدر العطاء؛ لأن المقصود الأعظم بالإنفاق دفع حاجات الناس، وحاجاتهم تتفاوت من حيث مقدار ما تندفع به، فما تندفع به حاجة فقير لا يعول إلا نفسه لا تندفع به حاجة فقير آخر ذي زوجة وذرية.
فكان العدل أن يعطى كل امرئ ما تندفع به حاجته، وإن ترتب على ذلك زيادة مقدار ما يعطى على مقدار ما يعطاه غيره؛ لأنه وإن كان تفضيلاً في صورته إلا أنه تسوية وعدل في حقيقته .
قال العز بن عبد السلام: تقدير النفقات بالحاجات مع تفاوتها عدل وتسوية وقال الشافعي وإن فضل بعضهم على بعض في العطاء فذلك تسوية إذا كان ما يعطى لكل واحد منهما لسد خلته .
فإذا تساوت الحاجات حرم التفضيل؛ لزوال سببه الموجب له .
وحيث تبين أن المعتبر في قدر الاستحقاق من المال العام الكفاية، فإنه يعتبر في قدرها ثلاثة أمور:
1 – عدد من يعولهم المستحق من المال العام.
2 – حال البلد من حيث الغلاء والرخص.
3 – حال المستحق .
ففي اعتبار عدد من يعول يقول أبو يعلى – مبيناً ما على ولي الأمر اعتباره عند تقدير عطاء الجند-: ويعرف قدر حاجاتهم، وكفايتهم، ويزداد ذو الولد من أجل ولده، وذو الفرس من أجل فرسه....
وفي اعتبار حال البلد من حيث الغلاء والرخص يقول الشافعي: ويختلف مبلغ العطايا باختلاف أسعار البلدان، وحالات الناس فيها، فإن المؤنة في بعض البلدان أثقل منها في بعض.. ، وقال ابن قدامة: .. وينظر في أسعارها في بلدانهم؛ لأن أسعار البلدان تختلف، والغرض الكفاية.. وكذا يعتبر في الكفاية حال المستحق، فيفرض له ما يليق بمثله في بلده، إذ الناس متفاوتون في أقدارهم ومسؤولياتهم، وما يترتب على ذلك من تبعات، فليس عطاء الأمير الملتزم بما يلزم الأمير عادة كعطاء الموظف الخفيف الحمل من تلك الالتزامات، ولا عطاء القاضي الذي يفصل بين الناس ويصلح بينهم، وربما تحمل في ذلك تبعات مالية، كعطاء من لا يسأل إلا عن نفسه. فلكل من هؤلاء عطاء يليق بمثله، وقد ذكر الله – عز وجل – في كتابه تفاوت درجات الخلق في الدنيا فقال: "وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً" (الزخرف: من الآية32) فسرت الآية بأن الله – سبحانه – فاضل بين الخلق، فجعل بعضهم أفضل من بعض في الدنيا بالرزق والرياسة والقوة والحرية والعقل والعلم .
قال الشافعي – منبهاً ولي الأمر إلى اعتبار حال المستحقين عند قسم الأرزاق والعطايا-: ويعرف قدر نفقاتهم، وما يحتاجون إليه في مؤناتهم، بقدر معاش مثلهم...
ويدخل في هذا تقسيم الوظائف العامة للدولة إلى درجات (سُلَّم وظيفي) إذا بلغ أي موظف درجةً استحق مرتبها المالي، ويكون العدل المطلوب – حينئذ – العدل بين الموظفين في استحقاق درجات السلم الوظيفي، وذلك بوضع معيار لاستحقاقها، يخضع له جميع الموظفين، ولا يكون للاعتبارات الشخصية أثر في الاستحقاق، بحيث تكون الفرصة متاحة لكل موظف يريد أن يثبت كفاءته.
وأما الأمور التي يجب تحقيق الكفاية فيها فهي كل ما يحتاجه الإنسان لحياته وحياة من يعوله حياة كريمة، من غير سرف ولا تقتير، وبحسب توفر المال العام.
وما تقدم من وجوب التسوية بين المستحقين في دفع الحاجات بقدر الكفاية هو ما دلت عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين، ومنها:
الدليل الأول/ عن عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفيء قسمه من يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى العزب حظاً .
وجه الدلالة: تمييز النبي صلى الله عليه وسلم بين المتزوج والعزب في قدر العطاء دليل على اعتبار كفاية المستحق، حيث اعتبر حاجة الزوجة إلى الكفاية، وليس هذا الاعتبار خاصاً بالزوجة، بل يدخل فيه غيرها، ممن تلزم نفقته على المستحق، قال الشوكاني: فيه دليل على أنه ينبغي أن يكون العطاء على مقدار أتباع الرجل الذي تلزمه نفقتهم من النساء وغيرهن؛ إذ غير الزوجة مثلها في الاحتياج إلى المؤونة .
الدليل الثاني/ إن النبي صلى الله عليه وسلم فاضل في قسم الغنائم بحسب الحاجة، فقسم للراجل سهماً وللفارس ثلاثة أسهم، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهماً وفسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم ؛ وذلك لأن حاجة الفارس أكثر من حاجة الراجل، فإن للراجل حاجة واحدة – وهي حاجة نفسه – فجعل له سهماً واحداً، وأما الفارس فله ثلاث حاجات: حاجة لنفسه، وأخرى لفرسه، وثالثة لسائس فرسه.
ففي هذا ما يدل على اعتبار قدر الكفاية في الاستحقاق.
الدليل الثالث/ عن مالك بن أوس قال: ذكر عمر يوماً الفيء فقال: ما أنا أحق بهذا الفيء منكم، وما أحد منا أحق به من أحد، إلا أنا على منازلنا من كتاب الله، وقسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه، والرجل وعياله، والرجل وحاجته.. حيث اعتبر عمر في قدر العطاء أموراً، منها:
1 – عدد العيال.
2 – قدر الحاجة.
الدليل الرابع/ إن عمر بن الخطاب كان يفرض لعماله عطاءً متفاوتاً بحسب حاجة كل منهم، فقد أعطى عماراً أمير العراق كل يوم نصف شاة، وأعطى ابن مسعود ربعها، ولعل ذلك بسبب تفاوت حاجتهم .
المفاضلة بحسب المصلحة:
وكما تجوز المفاضلة في قدر العطاء بحسب الحاجة، كذلك تجوز بحسب المصلحة العامة العائدة على المسلمين، وهذا يتفق مع ما سبق تقريره من وجوب مراعاة المصلحة في الإنفاق، وهو ما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فعن رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كلَّ إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فأنشد عباس شعراً، فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة .
حيث فضلهم النبي صلى الله عليه وسلم على غيرهم؛ نظراً منه إلى المصلحة، وهي التأليف؛ لأنهم كانوا سادة أقوامهم؛ ويدل لهذا أنه لما توقف تأليف عباس بن مرداس على إتمام عطائه مائة أتمه له، فدل على جواز التفضيل بحسب المصلحة العامة.
المفاضلة في العطاء لغير حاجة ولا مصلحة:
|