|
أدلة اعتبار ضابط مراعاة المصلحة العامة في الإنفاق العام:
الدليل الأول: عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع، وهو مسؤول عن رعيته ومقتضى الرعاية فعل الأصلح بالرعية في شؤونهم كلها، ومن أهمها المال العام.
الدليل الثاني: عن الحسن قال: عاد عبيد الله بن زياد معقل بن يسار المزني – في مرضه الذي مات فيه-، فقال معقل: إني محدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو علمت أن لي حياة ما حدثتك به، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت – يوم يموت – وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ( وعلى هذا حرمت الجنة على آل سعود فمأواهم جهنم وبئس المصير ) .
وجه الدلالة: أن عدم فعل الأصلح – مع القدرة عليه – غش للأمة؛ لأنه يناقض أمر الله – عز وجل-، ويناقض مقتضى الولاية والرعاية، والغش محرم؛ لأن مثل هذا الوعيد الشديد لا يكون إلا على أمر محرم؛ بل كبيرة من الكبائر؛ فإذا كان الاكتفاء بالفعل الصالح وترك الفعل الأصلح غشاً للأمة، كان فعل ما لا مصلحة فيه أعظم غشاً.
الدليل الثالث: أوجب الله – جل وعلا – على ولي اليتيم فعل الأحسن في مال اليتيم، حين نهاه أن يقربه إلا بالتي هي أحسن، في قوله سبحانه: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الأنعام: 152) ومعنى الأحسن: تحصيل المصلحة الخالصة، أو الراجحة، وعدم الاكتفاء بالصالح مع إمكان الأصلح، فضلاً عن الفساد.
فكان الواجب على ولي الأمر في مال المسلمين نظير الواجب على الولي في مال اليتيم؛ لأنه بمنزلته، كما قال عمر بن الخطاب - إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم. والولايات كلها سواء من حيث وجوب التصرف بالمصلحة في حق المولَّى عليهم، قال القرافي: كل من ولي الخلافة فما دونها إلى الوصية لا يحل له أن يتصرف إلا بجلب مصلحة، أو درء مفسدة بل إن وجوب فعل الأصلح على ولي الأمر في المال العام آكد من وجوبه على ولي اليتيم في مال اليتيم؛ لأن اعتناء الشرع بمصالح العامة أوفر وأعظم من اعتنائه بمصالح الخاصة .
وأخيراً فإن مراعاة المصلحة في إنفاق المال العام تعد ضابطاً هاماً من ضوابط حسن التصرف في المال العام، تمنع إذا توفرت لها الضمانات من استغلال السلطة في ما لا يحل.
الفرع الثاني:
ضابط العدل في الإنفاق العام
معنى الضابط: المراد: تحقيق العدل في المال العام بين المسلمين استحقاقاً وقسماً.
أدلة مشروعية ضابط العدل في الإنفاق:
دل على مشروعية هذا الضابط، بل على وجوبه، الكتاب والسنة والمعقول:
أولاً: من الكتاب: قول الله – عز وجل-: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (النحل:90). فهذا أمر بإقامة العدل، والعدل اسم جامع لكل ما قام في النفوس أنه مستقيم ، وهو ضد الجور، ومما يتضمنه اسما لعدل، العدل في الأموال – عطاءً وتقديراً – فيكون مأموراً به، بل دخول المال في الآية أولوي؛ لعظم مكانة المال في النفوس، وشدة الشح به، وهو من أخطر أسباب التباغض والشحناء .
ثانياً: من السـنة:
1 – الأحاديث التي دلت على عقوبة من لم يعدل في رعيته، ومنها:
أ – عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً، لا يفكه إلا العدل، أو يوبقه الجور .
ب – وعن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس من والي أمة – قلَّت أو كثرت – لا يعدل فيها إلا كبَّه الله تبارك وتعالى على وجهه في النار ( الحمد لله آل سعود في جهنم ) .
دل الحديثان على وجوب عدل ولي الأمر في شؤون رعيته، وتحريم الجور فيها؛ إذ مثل هذا الوعيد الشديد لا يمكن أن يكون إلا على فعل كبيرة من كباشر الذنوب، ولا شك أن من آكد شؤون المسلمين التي يجب العدل فيها المال؛ فإنه قسيم النفس، قال ابن حجر في بيان ما يقع به الجور ويحصل ذلك بظلمه لهم، وبأخذ أموالهم، أو سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، وحبس حقوقهم.. ونقل عن ابن بطال قوله: .. وهذا وعيد شديد على أئمة الجور، فمن ضيع من استرعاه الله، أو خانهم، أو ظلمهم، فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة.
2 – الأحاديث التي دلت على فضيلة الإمام العادل في رعيته، والأجر العظيم الذي ينتظره يوم القيامة، ومنها:
أ – عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأدناهم منه مجلساً، إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله يوم القيامة، وأبعدهم منه مجلساً إمام جائر .
ب – عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل...
ج – عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن – وكلتا يديه يمين – الذي يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا .
ففي هذه الأحاديث حث عظيم لأهل الولايات على العدل فيما ولوا، وهو يشعر بمدى أهمية العدل في الولاية، حتى وعد المتصف به بكل هذه الفضائل التي قل أن تجتمع في شيء، قال النووي شارحاً قوله صلى الله عليه وسلم: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا: معناه: أن هذا الفضل إنما هو لمن عدل فيما تقلده من خلافة، أو قضاء، أو حسبة، أو نظر... والمال مما يليه ولي الأمر للمسلمين، فكان من جملة الأمور التي يترتب على إقامة العدل فيها هذا الأجر العظيم.
ثالثاً: من المعقول:
أ – إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالعدل في القسم بين الأولاد، ونهى أن يخص الأب أحدهم بشيء دون الآخر، وعد التخصيص بالعطية جوراً . فإذا كان المرء مأموراً بالعدل ومنهياً عن الظلم في ماله الذي يملكه، وبين أولاده الذين مالُهم مالُه، فأولى أن يثبت هذا الأمر والنهي في حق ولي الأمر، الذي يتصرف على من ليسوا بأولاد، ولا هم إخوة، وفي مال ليس بماله، بل مالُهم جميعاً.
ب – إنه إذا تقرر وجوب أن يتصرف ولي الأمر في المال العام بالأصلح للمسلمين – كما تقدم – فإن مقتضى ذلك العدل بينهم في قسم مالهم؛ لأن هذا أصلح لهم.
|