| |
حصل ـ بدرـ على الماجستير في الاقتصاد , وكان مسرورًا بها
جدًا متوقعًا أن المؤسسات المالية الحكومية منها أو الخاصة ستتنافس عليه , لكنّه
صُدم من الجواب الروتيني الذي كان يلقاه دائمًا " اترك أوراقك هنا , واترك عنوانك
وهاتفك ونحن سنتصل بك " وبالطبع لم يتصل به أحد.
وفي يوم من الأيام فوجئ ـ بدرـ باتصال من موظف في البنك بالجزيرة
العربية (الرومي) الذي كان قد ترك فيه طلبه وعنوانه منذ عدة أشهر , وطلب منه
المتحدث أن يحضر لمقابلة " الأستاذ هارون" .
ويقول ـ بدرـ وبالطبع لم أتردد في الموافقة , خاصّة وأنّني لم
أكن من الذين يهتمون بحرمة العمل في البنوك , وليست تلك القضية بالنسبة لي ذات
قيمة, وهكذا رتّبت الموعد معهم , وتبين أن " الأستاذ هارون" الذي سأقابله هو من
مسئولي البنك الكبار واعتقدت أنه سيعرض عليّ وظيفة راقية , وأن القدر قد ابتسم لي
أخيرًا .
وفي الموعد المحدد تمامًا حضرت لموعد المقابلة , ووجدت "الأستاذ
هارون " المسئول الكبير في البنك في انتظاري فاحتفى بي وأثنى على تخصّصي ودراستي
بشكل واضح التكلف, ولكن مع الثناء على الدراسة كان " الأستاذ هارون " حريصًا على أن
يؤكد لي بين الحين والآخر بأن الوظيفة تحتاج إلى فن العلاقات العامة , وجلد وصبر
وتحمّل مواقف ربّما تكون قاسية , وواحتمال حدوث مفاجآت قد لا تخطر بالبال.
يقول ـ بدرـ قلت للأستاذ هارون : " هوّن عليك يا أستاذ هارون , فأنا قادر
على أن أبيع لك الهوا بفلوس ", غير أن " الأستاذ هارون" رد عليّ قائلاً : "
أجل يا بني , ولكن ـ خلي في بالك ـ فنحن ليس عندنا وظيفة عادية براتب , ولكننا
نريد أن نعرض عليك عرضًا , ولك أن تقدّر إن كان هذا العرض يناسبك ".
ويقول ـ بدرـ فرحت بالفكرة , وطلبت من " الأستاذ هارون " أن
يعجّل بتقديم هذا العرض , فقال "الأستاذ هارون": "اسمع يا بدر: لدينا ديون هالكة
تزيد قيمتها عن مليار ريال , ونريد من شخص مختص وشاطر مثلك أن يستعيد بعضها من
المدينين ". فقال ـ بدرـ : وكيف أستفيد أنا من ذلك ؟ , قال " الأستاذ هارون " : "
سيكون لك عشرون بالمئة ممّا تستخلصه من ديون" .
وبسرعة البرق , حسب ـ بدرـ نتائج العرض في عقله , ثم وصل إلى نتيجة
مفادها أن الله ربّما سيعوّض صبره خيراً أخيرًا , فعشرون بالمئة ( من مليار) يعني
مئتي مليون، وحتّى لو تعثرت الخطوات ولم أستخلص إلاّ ـ عشرها ـ فأنا سأكسب عشرين
مليون ريال , وربّما يتم ذلك إذا ما سارت الأمور على ما يرام في اشهر معدودة ,
فهذا والله عرض وفرصة نادرة تتكرر حقاً , ردّدها ـ بدر ـ أكثر من مرة وهو يحدق في
وجه الأستاذ هارون.
واستفاق ( بدر ) من سرحان عقله في نتيجة أن يكسب على الأقل ( 20
مليون ريال ) قبل أن يتم سرد النعم التي سيجنيها بذلك المبلغ الضخم , من تكوين بيت
, والحصول على عروسة , وتجهيزها بأحب ما ترغب وتشتهي من ذهب وألبسة , وغيرها , ثم
رد على الأستاذ هارون , فقال بعد أن تظاهر بتمالك رباطة نفسه :" حسنًا وماذا عليّ
أن أعمل بالضبط , ومتى أستلم العمل ؟ فقال "الأستاذ هارون : تأخذ هذه القائمة ،
قائمة المدينين، وتحاول معهم واحدًا واحدًا وستنال نصيبك بقدر ما يعود علينا من هذه
الديون.
ألقى ـ بدرـ نظرة سريعة على قائمة المدينين التي مدّها إليه "
الأستاذ هارون " فوجدها تضم إواحداً وثلاثين اسمًا كلّهم كانوا من العائلة
الحاكمة ـ أسرة آل سعود ـ إلا اسمين فقط , ويقول ـ بدرـ عندما رأيت القائمة قلت :
الله يستر، لكن أملي كان أقوى من الرعب الذي اجتاحني من قائمة ـ آل سعود ـ ورغم
الحذر والتوجّس الذي انتابني إلا أنني وافقت على قبول العمل , ووقعت على الورقة
التي تنص على ذلك مع الأستاذ هارون.
وعندما هدأت نفسية ـ بدر ـ تأمل القائمة جيدًا , فوجد الأمير/
مشعل بن عبد العزيز/ على رأس القائمة , واكتشف أن الدّيْن الذي عليه هو أكبر من كل
الديون الأخرى مجتمعة المسجلة في القائمة , ولم يكن ـ بدرـ خبيرًا بالعائلة الحاكمة
, ولا يعرف خبايا وأسرار ـ الأمير مشعل ـ ولا شيئًا عن شخصيته, ولا عن مجونه وظلمه
لخلق الله ,وغروره الذي لا يعرف حدودًا , ولذلك قرّر ـ بدرـ أن يبدأ به حتى يكون
نصيبه كبيرًا إذا تمكن من استعادة الدّيْن الضخم الذي عليه , فإذا لم يفلح في ذلك
فسيكون عليه القبول بالمثل القائل :" لقّحت .. ولا ما ضرها الفحل".
في اليوم التالي اتصل ـ بدرـ بمكتب ـ الأمير مشعل ـ طالبًا موعدًا
لمقابلته , وحاول أن يجرب شطارته , فلم يذكر السبب الحقيقي للمقابلة , واكتفى
بالقول :" إنها معاملات لسمو الأمير مع أحد البنوك الكبيرة " يريد أن يساعد في
تسهيلها , وبعد ساعات من الانتظار هاتف أحد مدراء مكتب الأمير مشعل ـ بدر ـ محدّدًا
له موعدًا في اليوم التالي مع الأمير الخطير في قصره وليس في مكتبه .
استبشر ـ بدر ـ بنجاح الخطة , واعتقد أن الجزء الأول منها قد نجح ,
وفي مساء ذلك اليوم انطلق إلى " سوق الديرة " واشترى ـ مشلح حساوي ـ بأربعة آلاف
ريال , كما فصّل ثوبًا نظيفًا, وغترة ملكي , كما استأجر سيارة فاخرة ,وفي الموعد
المحدد انطلق إلى الأمير في قصره.
وصل ـ بدرـ إلى القصر في الموعد المحدد تمامًا , فأدخله الخادم
على الأمير فوجده في المجلس العربي الفخم جالساً على الأرض وأمامه " القدوع " ودلّة
القهوة, وعلى الرغم من علامات الاستفهام التي بدت على وجه الأمير حول الأسباب
الحقيقية للزيارة , وعدم تكلفه للقيام باستقبال ضيفه , إلا أنه ألقى على مسامعه
بضعة كلمات كان نصفها غير مفهوم , غير أن ـ بدراً ـ فسّرها على أية حال بأنها تعني
الترحيب به , ثم التف إليه ـ مشعل ـ فجأة وعيناه نصف مغمضتين قائلاً :" تفضل يا
بدر ويش سالفة البنك؟ ", تمالك ـ بدرـ نفسه وجمع كل قواه وقال : " يا طويل العمر..
تعرف إنك يا طويل العمر من أكبر المتعاملين مع البنك بالجزيرة العربية , ولك فضل
كبير على البنك وكل الأسرة الحاكمة لها فضل , ولولا دعمهم واستثماراتهم ما تحرك
البنك, المهم يا طويل العمر أنت تعرف أن البنك ممنون لك بكل هذا الدعم , ولكنه
بحاجة لمزيد من الدعم والتمويل" .
أعجبته كلمات الإطراء التي ألقاها ـ بدرـ على مسامعه في حين كان
مسترخياً على بطنه , وهو يلوّك شيئًا ما بين أسنانه , ثم التف مرة أخرى من خلف
كتفيه وهو يقول : " طيب والشاهد يا بدر؟" فرد ـ بدر ـ متعلثمًا وهو يطلق الكلمات من
فمه بكل حرص :" الشاهد يا طويل العمر, إن لو رأيت يا طويل العمر النظر في بعض
الديون اللّي عليك , ولو شفت أنك توجّه المسئول المالي عندك بتسديدها سيكون أمراً
ممتازاً جدًا , والفضل لك أولاً وأخيرًا , وحتّى لو لك رأي ثاني ترى البنك ما يقول
شي " انطلقت تلك الكلمات وقد بذل فيها ـ بدر ـ كل طاقته , وشعر عقب الانتهاء منها
وكأنه كان يتسلق جبلاً من فرط الجهد الذي بذله في إلقائها .
استوى ـ الأمير مشعل ـ في جلسته فجأة وكأنه لُدغ , ونظر إلى ـ
بدرـ شزرًا وعينياه بدتا وكأنهما تقدح نارًا , وقال له: " ويش تقول أنت .. ويش
ديون ما ديون؟" , وشعر ـ بدر ـ بفداحة ما أقدم عليه والموقف الذي سينتظره
,غير إنه تمالك نفسه واستجمع شجاعته بكاملها وأخرج من شنطة كانت معه الوثائق التي
فيها تفاصيل الديون التي على ـ الأمير مشعل ـ والمدين بها للبنك, فأخذها هذا الأخير
, وتصنع التأمل فيها للحظة , ثم استوى على ركبتيه وبدا وكأن مسًا من الجنّ أحاط به
فجأة , وتبدّلت كافة ملامح وجهه فجأة من شدّة الغضب، وقال ورذاذ لعابه يتطاير قبل
كلماته : " يعني أنت الحين جاي تلطف الحكي , وآخرتها تبي تاخذ قروشنا تقول ديون
للبنك " .
فجأة يقول ـ بدرـ انهارت معنوياتي , وتجمّد تفكيري , ولم أعد أدري ما أقول، وهل
أنا في تلك اللحظة في موقف الذي يستطيع أن يجادل الأمير مشعلاً؟ .
ارتبك ـ بدرـ واحمر وجهه ولم ينبس بكلمه، وخيّل اليه في تلك اللحظة
أن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله من شدة ارتجافهما , وهو يحدث نفسه ويردّد :
"الله يسلم .. الله يسلم" ، ترى ماذا سيفعل بي الأمير؟ .
وبينما هو مستغرق في حديث نفسه وقد بدأت ركبتا ساقيه في التذبذب ,
إذا بالأمير الهمام يقف على قدميه فجأة , ويرفع ثوبه وهو يقوم بحركة يصعب
وصفها , واندفع نحوـ بدرـ المذهول الذي لم يكن يصدق ما تراه عيناه وقد انقطعت
انفاسه تمامًا, وصرخ ـ مشعل ـ وهو ممسك بـرقبة ـ بدراًـ ويهزّه بعنف وهو يقول :"
اسمع يا بدر، هالمرة نمشيها لك، والله إن شفتك هنا مرة ثانية إن أغرّقك أنت
وأوراقك بالـبحر" .
ومن شدة الهلع الذي انتاب ـ بدرـ وبدون أن يدري كيف
يتصرف, وجد نفسه فجأة يركض خارج القصر حافيًا باتجاه السيارة ,التي وصلها بعد جهد
جهيد , وكان الخادم يركض خلفه مناديًا : " يا أستاذ .. يا أستاذ ..
المشلح المشلح ".
يقول ـ بدرـ كنت متردّدًا في تلك اللحظة الرهيبة بين أن انتظر إلى أن
أحصل على حاجتي , أو أواصل إطلاق ساقي للريح باتجاه السيارة التي جئت بها , وأخيرًا
الله ستر استلمت حاجتي وهربت بالسيارة.
وهكذا عاد ـ بدرـ لاهثاً إلى البنك بالجزيرة العربية (الرومي)
وطلب مقابلة "الأستاذ هارون" على الفور , غير أن سكرتيره قال له أنه مشغول , وطلب
منه أن يحدد موعدًا إن أراد رؤيته , فما كان من ـ بدر ـ إلاّ أن قال وقد استبد به
الغضب , ولازالت عوامل الرعب والهلع بادية عليه: " بلا موعد بلا هم، خذوا أوراقكم
يا عم لا أعرفكم ولا تعرفوني ودبروا حالكم مع طوال العمر" .
تلك كانت قصة من آلاف القصص التي عاشتها ولازالت تعيشها البنوك
مع ـ آل سعود ـ الذين نهبوا أموالها علنًا وفي وضح النهار وبالمليارات , وكأنّ
المليارات التي ينهبونها من ميزانية الدولة منذ الساعة التي ترى فيها أعينهم النور
, والمليارات التي ينهبونها من الشركات والمؤسسات المحلية والأجنبية لا تكفيهم . |
|