مقالات وأراء ...


 

القطيف حضارة عمرها 5 قرون

 

    القطيف بفتح أوله، وكسر ثانيه، على وزن فعيل، من القطف، وهو القطع من العنب ونحوه.. إنها مدينة بالبحرين هي اليوم قصبتها وأعظم مدنها وقد زارها ابن بطوطة وذكر أنها مدينة ذات نخل كثير. ولعل اسمها في الأصل محرف عن «كيتوس» الاسم القديم الذي ذكره مؤرخو اليونان لهذه المنطقة.
 كانت قبل قرون مضت واحة صغيرة نسيها الزمن في الجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية حتى سكنها البشر قبل أكثر من أربعة آلاف عام قبل الميلاد ومنذ ذلك التاريخ شهدت القطيف عدة حضارات، وتقلبت تحت سيطرة الكثير من الحكام، وقهر سكانها العديد من الغزاة حتى احتلها الملك عبدالعزيز آل سعود ــ آل مردخاي ـ عام 1331هـ تم دخلت القطيف محطة تاريخية جديدة تغيرت فيها ملامح وجه تلك القرية الصغيرة وتحولت مبكراً ومع اكتشاف النفط إلى مدينة كبيرة.
 للقطيف قيمة تاريخية كبيرة، فقد سكنت منذ آلاف السنين، وعرفت الكثير من الهجرات التاريخية من وإلى المنطقة بسبب موقعها الاستراتيجي الهام، وهاجر منها الكلدانيون والآشوريون والبابليون والحثيون والفينيقيون. والآثار الموجودة في المنطقة تدل على أنها كانت مسكونة منذ العصر الحجري، أي منذ حوالي سنة 3000 ق.م.
 خضعت المنطقة لحكم الكثير من الممالك في العصرين القديم والجاهلي. وشهدت ازدهاراً بعد أن حطم الإسكندر المقدوني الدولة الفارسية وأمر بتجهيز أسطول لاحتلال المنطقة، لكن وفاته واختلاف خلفائه بدد هذا المشروع. وفي هذه الفترة تمتعت المنطقة باستقلالها وازدهرت تجارتها وصارت مدينةالجرهاء-التي كانت في موقع القطيف كما يرجح الكثير من المصادر التاريخية أو ربما الأحساء - من أغنى مدن الأرض ووصفها اليوناني بانهم أغنى مدن العرب وأن أهلها يزينون جدران بيوتهم وسقوف منازلهم وأبواب غرفهم بالذهب والفضة والأحجار الثمينة. استمر ازدهار المنطقة حتى سيطر الرومان على جنوب الجزيرة العربية وحولوا التجارة العالمية عن الخليج ففقدت المنطقة أهميتها التجارية وازدهارها. وفيما بين (264 - 266 ق.م) قدمت إلى المنطقة قبائل عربية أخرى وتوحدت مع قبائل عبدالقيس، وفرضت سيطرتها على كامل المنطقة. وظلت القطيف تحت تأثير المعسكر الفارسي حتى قام أحد ملوك وسط الجزيرة العربية وهو الشاعر المعروف (امرؤ القيس) باحتلال أجزاء من المنطقة وفي العام (300م) زحفت قوات يمنية عليها وهاجمت الفرس، وقد أدت هذه الأعمال الى إضعاف هيبة الدولة الساسانية مما ادى إلى قيام سكان المنطقة بغزو الفرس واستولوا على بعض سواحل إيران. أما في العام (370م) فقد قام سابور الثاني الفارسي بشن حملة انتقامية فتك فيها بالعرب على الساحل الإيراني وعبر الخليج الى مدينة القطيف (الخط آنذاك)، وقام بمذابح هائلة فيها وفي هجر الاحساء، ثم توغل في جزيرة العرب فقتل من تمكن منه من العرب ومثل بهم بقطع أكتافهم، كما قام بتهجير القبائل وفرض عليها الإقامة الجبرية. واستمر خضوع المنطقة للفرس حتى دخولها الإسلام.
 الفتح الاسلامي
وفي السنة السادسة للهجرة أرسل النبي" صلى الله عليه وآله" العلاء بن الحضرمي بكتاب إلى والي القطيف والبحرين من قبل الفرس وهو المنذر بن سادي بن الأخنس العبدي يعرض عليه الإسلام ويشرحه ويدعو أهل المنطقة إلى الإسلام.
اقتنع المنذر بالإسلام ودخل فيه ودعا قومه إليه، فأسلم أغلبهم، وبقي بعضهم على ديانته اليهودية او المجوسية أو النصرانية فلم يجبرهم على تركها. واصبح المنذر والياً من قبل الرسول "صلى الله عليه وآله" على البحرين. وفي السنة السابعة للهجرة زار وفد بني عبدالقيس (أهل البحرين والقطيف) النبي" صلى الله عليه وآله"، وقد قال الرسول "صلى الله عليه وآله" فيهم: «ليأتين ركب من قبل أهل المشرق لم يكرهوا على الإسلام» وأوصى الأنصار بهم خيراً قائلاً: «يامعشر الأنصار أكرموا إخوانكم فإنهم أشبه الناس بكم في الإسلام، اسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين». وفي السنة التاسعة للهجرة توفي المنذر وتولى العلاء بن الحضرمي الولاية. وفي السنة العاشرة للهجرة قدم وفد منهم على النبي" صلي الله عليه وسلم" لزيارته بقيادة الجارود.
 العلاء يحرر القطيف
وبعد وفاة الرسول" صلى الله عليه وآله" ثبتوا على الإسلام ولم يرتدوا، ولكن ظهرت نزعة للانفصال عن الدولة المركزية في المدينة فتمردت قبائل ربيعة وتوجت المنذر بن النعمان بن المنذر ملكاً وزحفت على القطيف وهجر واحتلتهما حتى وصل العلاء بإمدادات من المدينة فحرر القطيف وهجر ومعظم بلاد البحرين ما عدا حصن الزارة.
 نبذة جغرافية
تعتبر مدينة القطيف وما جاورها اليوم من المدن الصغيرة والقرى، جزءاً حيوياً من المنطقة الشرقية، حيث تتربع واحة القطيف المشهورة على جانب من الضفة الغربية للخليج العربي، شمال غرب مدينة الدمام، مناخ واحة القطيف مناخ قاري إذ تصل الحرارة في الصيف إلى نحو 44 درجة مئوية، ونسبة الرطوبة إلى حوالي 90 بالمائة.
 أما في الشتاء فتتراوح الحرارة بين 18 و 25 درجة مئوية، وتهب على المنطقة خلال شهري مايو ويونية تقريباً، رياح موسمية حارة يطلق عليها أهل المنطقة اسم (البوارح). أما الرياح الجنوبية التي تهب على المنطقة فتسمى (الكوس) وهي رياح دافئة تحمل نسبة كبيرة من الرطوبة. أما نسبة سقوط الأمطار عليها فقليلة.
 تحتل القطيف مساحة تقدر بما يزيد على 160 كيلو متراً مربعاً تقريباً ويبلغ عدد سكانها حوالي 89000 نسمة موزعين على عدد من القرى تزيد على عشرين قرية. أما منطقة القطيف ككل فقد نمت واتسعت وأصبحت تضم عدداً من المدن، والقرى الكبيرة، يبلغ عدد سكانها مجتمعة نحو 250000 نسمة، ومن أهم هذه المدن والقرى: سيهات، عنك، القديح، صفوى، العوامية، الملاحة، الجش، حلة محيش، أم الحمام، الجارودية، التوبي، أم الساهك، أبو معن، الأوجام، بالإضافة إلى جزيرة تاروت، التي تشمل تاروت، ودارين والربيعية، وسنابس، والزور وغيرها.
 المجتمع القطيفي
يضم المجتمع القطيفي أربع فئات هي: الصيادون، والفلاحون، والتجار، وموظفو الحكومة والشركات والمؤسسات. فالفئة الأولى تعتبر الممون الرئيس لأسواق المنطقة الشرقية بالسمك، حيث يتم بيع وشراء كميات كبيرة من الأسماك بالمزاد العلني كل يوم في سوق القطيف، ومنه يتوزع إلى الأسواق الأخرى ، وفي الآونة الأخيرة اشتهرت مدينة سيهات بسوق السمك، حيث يتوجه كثير من المواطنين والمقيمين عصر كل يوم، لجلب مختلف أنواع الأسماك الطازجة، التي يصطادها الصيادون. أما الفئة الثانية : فتنخرط في أعمال الزراعة، التي كانت لفترة ماضية قريبة، المصدر الرئيس لتزويد أسواق الدمام والخبر والظهران بالخضراوات والمنتجات الزراعية الأخرى.
 غير أن تزايد تعداد السكان في المنطقة واستيلاء أمراء آل سعود على مساحات شاسعة وتحويلها إلى منتزهات وقصور خاصة بهم جعل المصدر المحلي غير قادر على تلبية احتياجات سكانها من الخضراوات والفواكه والفئة الثالثة، وهي فئة التجار، فتسهم بدور كبير في تنمية الاقتصاد الوطني عن طريق استيراد وتصدير مختلف أنواع السلع والبضائع. وأما الفئة الرابعة، وهي تمثل الموظفين العاملين لدى الدوائر والمؤسسات الحكومية والشركات الوطنية، فينخرط منسوبوها في السلك الوظيفي الحكومي والمحلي، وقد التحق الكثيرون منهم بشركة أرامكوكعمال ويمنع عليهم آل سعود تقلد الوظائف ذات الأهمية فهم مجرد عمال فقط .
 القطاع الزراعي
القطيف منذ القدم تعتبر أرضاً طيبة معطاء ومياهها وافرة، فقام الفلاح القطيفي بحرث الأرض واستصلاحها وزرعها واستغلال خيراتها الممثلة في ثمار النخيل، والحمضيات والفواكه والخضراوات. وكان لاكتشاف البترول ، دور كبير في صرف معظم الفلاحين عن مزاولة الزراعة، فاتجهوا إلى الانخراط في أعمال الزيت ما أدى إلى كساد الزراعة وإهمالها بالاضافة إلى استيلاء أمراء آل سعود على أجود الأراضي . الأماكن الأثرية والشعبية بمنطقة القطيف القطيف غنية بالمواقع الأثرية التي تعكس أهمية هذا الجزء الشرقي من الجزيرة العربية في عصور سالفة متعددة. ونستعرض هنا أهم الأماكن الأثرية والشعبية فيها:
 جزيرة تاروت
كانت هذه الجزيرة فيما مضى موطناً للفينيقيين والبرتغاليين. كان يفصل بينها وبين مدينة القطيف مخاضة يقطعها السكان بأرجلهم عند أدنى مستوى للجزر. وبالقوارب الصغيرة عند أعلى مستوى للمد. أما اليوم فقد أصبحت شبه جزيرة يحيط بها الماء من ثلاث جهات: الشمالية والشرقية والجنوبية. أما الجهة الغربية فقد اتصلت بمدينة القطيف عبر شارع فسيح معبد ذي اتجاهين وعلى جانبي الطريق (مكان المخاضة سابقاً) أقيمت أحياء سكنية جديدة.
 وتقدر مساحة الجزيرة حالياً بنحو 25 كيلو متراً مربعاً. تشتمل على خمس مدن وقرى هي: تاروت (المدينة الرئيسة).
 الربيعية، سنابس، الزور، ودارين، التي كانت فيما مضى ميناءً تجارياً مشهوراً، وأهم ما يميز جزيرة تاروت حالياً، قلعتها التي تحتل موقعا أثرياً هاماً يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد ويلفها الآن الإهمال والتسيب فآل سعود هدفهم منذ زمن طمس أي تاريخ عربي . قلعة القطيف تشير الدلائل التاريخية إلى أن سواحل المنطقة الشرقية بما فيها القطيف. كانت فيما مضى محاطة بسور لحمايتها من الغزاة.
 وقد بدأت القطيف كموطن استيطاني صغير على شاطئ الخليج الفارسي، ومع مرور الأيام سورت حاضرتها (القلعة) بسور يبلغ سمكه نحو مترين، وارتفاعه نحو 9 أمتار، وله أبراج شاهقة مستديرة الشكل يبلغ عددها أحد عشر برجاً وقد شكل ذلك السور أول حي من أحياء القطيف أطلق عليه اسم (القلعة) وتدل الكتابات التي كانت محفورة على أجزاء من أحجاره على أنه (بني في عهد السلطان سليم الثاني العثماني في القرن العاشر الهجري، بينما يبدو أنه أسس قبل هذا التاريخ بزمن بعيد). وكان للقلعة أربعة أبواب تفتح في النهار وتغلق في الليل، وهي: باب الشرق ويسمى دروازة البحر، وباب الغرب ويسمى دروازة باب الشمال، وباب الجنوب ويسمى دروازة السوق، وباب الشمال ويصلها بالكوت وهو حصن صغير: والقلعة بشكلها البيضاوي تنقسم إلى أكثر من (فريج)، أي فريق، ويجمع على (فرجان)، أي فروق، وأهمها أربعة هي فريق الخان وهو في الجهة الغربية فريق السدرة وهو في الجهة الجنوبية الشرقية فريق الزريب وهو في الجهة الشمالية الغربية فريق الوارش وهو في الجهة الشمالية الشرقية.
 سوق الخميس
يتردد الكثير من المواطنين والمقيمين في واحة القطيف ومدن الدمام والظهران والخبر وما حولها على سوق الخميس بالقطيف الذي اتخذ اسمه من اليوم الذي يقام فيه.
وهو من الأسواق القديمة حيث يجتمع عدد كبير من الباعة، من داخل الواحة وخارجها، لعرض أصناف متعددة من البضائع والسلع المصنعة محلياً منها والمستوردة.
عيون الواحة
اشتهرت القطيف بعيونها الطبيعية. ومن العيون ما قل ماؤها حالياً، ومنها ما زال جارياً بشكل طبيعي، ومنها ما أهمل حتى كاد يتوقف جريان الماء فيها.
 ومن أهم العيون التي تحتضنها الواحة: حمام أبو لوزة، عين الربيانة، عين المصونة، عين المنصوري، عين أم السباع، عين المليح، عين ميالة، عين داروش، عين أم عمار، وغيرها. تلك هي واحة القطيف التي مازالت تمد أهلها وما حولها بالخير والعطاء الكثير،هذه هي القطيف ضاربة جدورها في التاريخ وستبقى القطيف غنية بتراثها ورجالها وسوف تتحرر رغم أنف آل سعود وحقدهم :