|
ما جاء في السنة:
1 - ما أخرجه مسلم في كتاب المناقب: بسنده إلى واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله يقول: «إنَّ الله عز وجل اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كِنانة، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».
ووجه الدليل من الحديث أنّ الاصطفاء يشعر بالنجاة، والقرآن يشهد لذلك الاصطفاء بآياتٍ كثيرة إذ أنَّ الله لا يصطفي المشركين الأنجاس، إنّما يصطفي الموحدين الطاهرين فعبد الله أبي رسول الله اصطفاه الله.
فلا يوجد دليل ما على قيام أي من الوالدين المحترمين للرسول بعبادة الأصنام.
فمن الحقائق التاريخية وجود كثير من الموحدين الذين لم يعبدوا الأصنام والأوثان في ذلك العهد حيث كانوا على دين إبراهيم .
أيمكن تصور أنّ الله تعالى الذي لا يهمل ولا يضيع أي شيء حتى الذرات التي تدخل في جسد الإنسان بل يجعلها في الميزان يوم القيامة، والمنزه عن أي عبث... أيمكن تصور أن الله تعالى سيضيع والديّ الرسول وكانا هما السبب والوسيلة في ظهور الجسد المادي للرسول إلى الدنيا؟!
فإن لم يكن الله ليضيع الموحدين في ذلك العهد من أمثال زيد بن عمرو، وورقة بن نوفل، وغيرهما. فلقد آمن هؤلاء بقلوبهم بالله تعالى، قد لا يكونون يعلمون كلمة (الله) فلا يستطيعون قول (يا الله)، ولكنهم كانوا يؤمنون بوجود اله واحد وكانوا يتوجهون بدعائهم إليه.
فقبيل البعثة المحمدية كان الجو قد أصبح ملائماً ومناسباً. فكان أصحاب هذه الأرواح الحساسة قد شعروا بقرب هطول الرحمة الإلهية.. شعروا وحدسوا بهذا وكانوا يبشرون من حولهم من الناس بهذه البشارة.
لذا فنحن نأمل أنّ رسول الله الذي أعطي حق شفاعة واسعة لا ينسى يوم القيامة هؤلاء الأشخاص والأفراد الذين كانوا يترقبون مجيئه بفارغ الصبر وبكل وجد وشوق وأن يأخذ بيدهم في ذلك اليوم ليقودهم إلى بر الأمان. كما نؤمن بأنّ الأشخاص الآخرين في ذلك العهد الذين لم يعبدوا الأصنام سيكونون من أهل النجاة مثل هؤلاء الأصناف تماماً.
وجاء في التاريخ: أنّ عبد المطلب قد ذهب إلى أبرهة الأشرم وقال له: أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه.
وكان ذلك عند ما جاء أبرهة لهدم الكعبة وأخذ بعض الإبل الخاصة بعبد المطلب.
وقد صدق عبد المطلب في قوله فإنّ الله قد حمى البيت كما قال. فهل هذا كان عن صدفة أم أنّ عبد المطلب كان موحداً بل مؤمناً بالله، ولذلك قال بأنّ للبيت رب يحميه؟! ولماذا لم يقل الآلهة تحميه، بل قال رب يحميه، أي رب واحد.
2 - روى أبو نعيم في دلائل النبوة: أنّ النبي قال: «لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفَّى مهذَّباً لا تنشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما».
فوصف رسول الله أصوله بالطاهرة والطيبة وهما صفتان منافيتان للكفر والشرك قال تعالى يصف المشركين: ﴿ إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسُ ﴾ .
قال الحافظ زين الدين العراقي في مورده الهني ومولده السني:
حفـظ الإلـه كرامـةً لمحمـدٍ ءاباءهُ الأمجادُ صونـاً لاسمـهِ
تركوا السفاح فلم يصيبهم عارهُ مـن آدمٍ وإلـى أبيـهِ وأمـهِ
3 - ما ذكره ابن حجر القسطلاني في كتابه المواهب اللدنية قال: روى الزهري عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت: «شهدت آمنة أمَّ النَّبي في علتها التي ماتت بها ومحمد يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه وقالت أبيات شعر ثم قالت كل حيٍّ ميِّت وكل جديد بال وكل كثير يفنى وأنا ميِّتة وذكري باقٍ وقد تركت خيراًَ وولدت طهراً ثم ماتت فكنَّا نسمع نوح الجنِّ عليها، أخرج الإمام أحمد وصححه الحاكم من حديث العرباض ابن سارية السلمي قال ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وكذلك أمهات النبيين يرين« بمعنى أي يلهمن.
أفمن كان آخر كلامه هذه الحكم الدالة على سلامة فطرته ومن يبشر بقدوم رسول الله ومن كانت الجن تنوح عليه أسفاً على فراقه يُقال فيه أنَّه من أصحاب النَّار.
مقولة الشيعة الإمامية:
من معتقدات الشيعة الإمامية في الأنبياء والمعصومين أنهم لم يتنقّلوا إلا من صلب طاهر إلى رحم مطهّر، وذلك من أبينا آدم وأمنا حواء حتى قدموا إلى هذه الحياة الدنيا.
فلا يمكن أن يودع المعصوم في صلب غير طاهر أو ليس بموحّد، أو أنّه يبقى في رحم غير مطهّر، وهذا ما دلّت عليه الروايات الشريفة:
قال : «خلقني الله تبارك وتعالى وأهل بيتي من نور واحد قبل أن يخلق آدم بسبعة آلاف عام، ثم نقلنا إلى صلب آدم ثم نقلنا من صلبه إلى أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» .
وعن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين يقول: والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط، قيل: فما كانوا يعبدون؟ قال : كانوا يعبدون -يصلّون إلى- البيت على دين إبراهيم متمسكين به .
وقال رسول الله : «يا علي إنّ عبد المطلب كان لا يستقسم بالأزلام، ولا يعبد الأصنام، ولا يأكل ما ذبح على النصب، ويقول: أنا على دين أبي إبراهيم » .
وعن داود الرَّقِّي قال: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -يعني الإمام الصادق- وَلِي عَلَى رَجُلٍ مَالٌ قَدْ خِفْتُ تَوَاهُ فَشَكَوْتُ إِلَيْهِ ذَلِكَ.
فقال لي: «إِذَا صِرْتَ بِمَكَّةَ فَطُفْ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ طَوَافاً، وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ عَنْهُ، وَطُفْ عَنْ أَبِي طَالِبٍ طَوَافاً، وَصَلِّ عَنْهُ رَكْعَتَيْنِ، وَطُفْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ طَوَافاً، وَصَلِّ عَنْهُ رَكْعَتَيْنِ، وَطُفْ عَنْ آمِنَةَ طَوَافاً وَصَلِّ عَنْهَا رَكْعَتَيْنِ، وَطُفْ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ طَوَافاً، وَصَلِّ عَنْهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ادْعُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْكَ مَالُكَ».
قال: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَإِذَا غَرِيمِي وَاقِفٌ يَقُولُ يَا دَاوُدُ حَبَسْتَنِي تَعَالَ اقْبِضْ مَالَكَ. .
وقد روي عن محمد بن علي الباقر أنه سئل عما يقوله الناس أنّ أبا طالب في ضحضاح من نار؟
فقال : «لو وضع إيمان أبي طالب في كفة ميزان وإيمان هذا الخلق في الكفة الأخرى لرجح إيمانه».
ثم قال : «ألم تعلموا أنّ أمير المؤمنين علياً كان يأمر أن يحج عن عبد الله وآمنة وأبي طالب في حياته ثم أوصى في وصيته بالحج عنهم» .
وهاتان الروايتان دليل فقهي على إسلامهم، لأنّ غير المسلم لا يُحَجّ عنه.
وقد روى هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله قال: هبط جبرئيل على رسول الله فقال: يا محمد إنّ الله عز وجل قد شفعك في خمسة: في بطن حَمَلك وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وفي صلب أنزلك وهو عبد الله بن عبد المطلب، وفي حجر كفلك وهو عبد المطلب بن هاشم، وفي بيت آواك وهو عبد مناف بن عبد المطلب أبو طالب، وفي أخ كان لك في الجاهلية.
قيل: يا رسول الله من هذا الأخ؟!
فقال: «كان أُنسي وكنت أنسه وكان سخياً يطعم الطعام» .
ونقرأ في زيارة رسول الله : «أشهد يا رسول الله أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها».
ونقرأ أيضاً في زيارته : «...السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين الهادين المهديين، السلام عليك وعلى جدك عبد المطلب وعلى أبيك عبد الله، السلام عليك وعلى أمك آمنة بنت وهب، السلام على عمك حمزة سيد الشهداء، السلام عليك وعلى عمك عباس بن عبد المطلب، السلام على عمك وكفيلك أبي طالب...»
إلى غير ذلك من الروايات والزيارات الشريفة التي تنصّ على أنّ المعصومين لا يودعون إلا في الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهّرة، مضافاً إلى بعض الشواهد التاريخية المؤيّدة لذلك.
وأخيراً نقول:
ثبت عن أبي حميد وأبي أسيد، عن سيدنا رسول الله أنه قال: «إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه» .
وعن أبي هريرة قال رسول الله : «إذا حدثتم عني حديثاً تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به قلته أو لم أقله فإني أقول ما تعرفونه ولا تنكرونه، وإذا حدثتم عني حديثاً تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به فإني لا أقول ما تنكرونه وأقول ما تعرفونه» .
وعن أبي أيوب الأنصاري وعوف ابن مالك الأشجعي وعبد الله بن عمرو أنّ رسول الله قال: «أطيعوني ما كنت بين أظهركم وعليكم بكتاب الله عز وجل أحلوا حلاله وحرموا حرامه» .
إنّ النبي أمر بالتمسك بكتاب الله تعالى بعد وفاته لأنّ الحديث المروي عنه يمكن أن يتلاعب به بعض الناس أو يدسوا فيه ما يوافق أهواءهم خلافاً لكتاب الله تعالى الذي تكفل الله بحفظه.. ولذا قال الإمام فخر الدين الرازي: «إن جميع آباء محمد كانوا مسلمين ومما يدل على ذلك قوله : «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» رواه أبو نعيم في الدلائل وقد قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركاً فكيف بآبائه».
ويقول أمير المؤمنين علي عن آباء الرسول : «فاستودَعَهم في أفضل مستودَع، وأقرّهم في خير مقرّ، تناسختْهم كرام الأصلاب إلى مطهرات الأرحام، كلّما مضى منهم سَلَف قام منهم بدِين الله خلف، حتى أفضت كرامة الله سبحانه إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأخرجه من أفضل المعادن مَنبتاً، وأعزّ الأرومة مغرساً، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتجب منها أُمناءه» .
فعليك يا رسول الله السلام وعلى أمك الطاهرة آمنة بنت وهب:
تتباهى بك العصور وتسمو بك علياء بعدهـا عليـاء
فهنيئاً به لآمنـة الفضـل الذي شرفت بـه حـواء
|