مقالات وأراء ...


 

بدأت الأصوات ترتفع ( 2 )

 

     المنحى الأصولي:
 يجب أن يعلم بأنّ المتفق عليه أنّ الفقيه لا يصل إلى الحكم الشرعي من دليل واحد غالباً، بل هو نتيجة تفاعل مجموعة من العلوم المشتركة من آيات قرآنية وأحاديث شرعية صحيحة وقواعد أصولية وحديثية ولغوية والتي لا غنى عنها لفهم معاني النصوص وإصدار الحكم الشرعي.
 ومن القواعد التي لا بد منها لفهم هذين الحديثين على وفق ما اتفق عليه كبار أهل الحل والعقد من نقاد علماء أهل السنة والجماعة من حفاظ وأصوليين وغيرهم أنّ من أسباب رد الحديث:
 1) مخالفته لصريح القرآن لفظاً ومعنى مع عدم إمكانية تأويله ليوافق القرآن بلا تكلف.
 2) مخالفته لصريح العقل السليم لأنّ أفعال الله تعالى لا تخلو عن حكمة وإن كنا لا ندركها غالباً ولأنّ العقل شاهد من شواهد الشرع فالشرع لا يأتي إلا بمجوزات العقول.
 3) أنه لا يستدل في العقائد إلا بالمتواتر أو المشهور خلافاً لأبي حنيفة الذي يرى أنه يجوز الاستدلال بخبر الآحاد في العقائد بشرط أن لا يكون له معارض من القرآن أو من السنة المتواترة أو المشهورة. وما نحن فيه ليس من هذا القبيل لا عند الإمام أبي حنيفة، ولا عند غيره من باب الأولى لأنّ الظني لا يقوى على معارضة القطعي. والقرآن قطعي الثبوت ويمثل له بهذه الآية: ﴿ ومَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ﴾ .
ويؤيد ذلك ما قاله الأصوليون من أنّ «ترك الاستفصال يؤدي إلى تعلق الحكم في عموم المقال». وهذه الآية تدخل تحت هذه القاعدة. وهو يتطابق مع هذه الآية، أنّ كل من لم يأته رسول لا يعذب إلا ما خرج على غير قياس. هذا في كيفية العمل إذا ما عارض الحديث القرآن، أما إذا ما عارض الحديث الحديث فكلامهم في هذا الباب كثير.
 نقد حديثي الشرك:
 الحديث الأ‌ول: حديث «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي». وفي الحديث أنه بكى وأبكى من حوله، فإنّ هذا الحديث لا يصح الاستدلال به على أنّ والدته في النار لعدة أمور:
 1) أنّ هذا الحديث يعارض معارضة صريحة قول الله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرسَلنَا إِلَيهِم قَبلَكَ مِن نَّذِيرٍ ﴾ .
 2) أنّ بكائه على أمه لا يدل على أنها من أهل النار بأي وجه من الوجوه بدليل أنه بكى على ابنه إبراهيم كما في الصحيحين إذ قال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون».
 3) إنّ الله تعالى أذن له بزيارة قبرها يدل على أنها مؤمنة وليست كافرة من أهل النار وإلا لتعارض صدر الحديث مع عجزه، ناهيك أيضاً أنّ الله تعالى قد نهاه أن يقوم على قبور الكفار والمنافقين بقوله عز من قائل: ﴿ ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنهُم مَّاتَ أَبَداً ولا تَقُم عَلَى قَبرِهِ إِنَّهُم كَفَرُواْ بِاللهِ ورَسُولِهِ ومَاتُواْ وهُم فَاسِقُونَ ﴾ وحاشى مقام رسول الله أن يخالف أمر الله تعالى ومن يظن ذلك فليس له نصيب من الإيمان في شيء. الحديث الثاني: حديث أنّ رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قضى دعاه فقال: «إنّ أبي وأباك في النار...».
ومما يجب أن يعلم أنّ لهذا الحديث ثلاثة طرق:
1) السند الأول عن طريق حماد بن سلمة عن ثابت وهي التي جاء فيها: إنّ أبي وأباك في النار.
 2) السند الثاني عن طريق معمر عن ثابت وهي خالية من ذكر «إن أبي وأباك في النار».
 3) السند الثالث عن طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص وهي خالية أيضاً من ذكر «إنّ أبي وأباك في النار» غير أنها تنتهي بقوله : «حيث ما مررت بقبر كافر فبشره بالنار».
 فالطريق الأول في سنده: ثابت وحماد بن سلمة.
 أما ثابت فهو عند بعضهم ثقة، ولكن ذكره ابن عدي في الضعفاء وعلل الحديث فقال: «إنه وقع في أحاديثه ما ينكر»، وهذا الحديث منها. وأما حماد فقال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة فتح الباري: «حماد بن سلمة بن دينار البصري أحد الأئمة الأثبات إلا أنه ساء حفظه في الآخر». وقال السيوطي عن حماد بن سلمة: «إنّ حماد تكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ذكروا أنّ ربيبه دسها في كتبه وكان حماد في آخر حياته لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئاً ولا خرَّج له مسلم في أصول الدين إلا من روايته عن ثابت. قال الحاكم في المدخل: ما خرج مسلم لحماد إلا من حديثه عن ثابت» .
أما الطريق الثاني ففي سنده: «معمر عن ثابت، عن أنس» عوضاً «عن حماد، عن ثابت». والطريق الثالث جاء بالسند الآتي: فقد أخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص: أنّ أعرابياً قال لرسول الله : أين أبي؟ قال: «في النار» قال: فأين أبوك؟ قال: «حيث ما مررت بقبر كافر فبشره بالنار».
 ويُلاحظ أنّ السند الأول ذكر فيه «حماد، عن ثابت» والسند الثاني ذكر فيه «معمر، عن ثابت» ومن المعروف أنّ معمراً أثبت من حماد بدليل أنّ حماداً تُكلِّم في حفظه كما سلف ولم يتكلم أحد في معمر. قال السيوطي في نفس المرجع المذكور: «وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا اسْتُنكر شيءٌ من حديثه واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت أي فتكون روايته أوثق وأثبت وأقرب إلى الصحة».
 وأما سند الرواية الثالثة فقد قال السيوطي في نفس المرجع: «وهذا إسناد على شرط الشيخين فتعين المصير إليه والاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره». في أدلة نجاة أبوي النبي من الكتاب والسنة:
من الكتاب:
1 - قوله تعالى: ﴿ ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ﴾ فالآية عامة وصريحة في أنّ الله تعالى لا يعذِّب أحداً حتى يرسل الرسل. قال الألوسي صاحب روح المعاني في تفسيره عند شرح هذه الآية: «وما صح وما استقام بل استحال في السنة الإلهية المبنية على الحكم البالغة أو في قضائنا السابق أن نعذب أحداً بنوع من أنواع التعذيب دنيوياً أو أُخروياً على فعل شيء أو ترك شيء أصلياً كان أو فرعياً حتى نبعث إليه رسولاًً يهدي إلى الحق ويبين الشريعة». فإنه وإن كان ﴿ لا يُسئَلُ عَمَّا يَفعَلُ وهُم يُسئَلُونَ ﴾ إلا أنه سبحانه وتعالى ببالغ حكمته وكمال عدله وبمحض فضله لا يعذب أحد إلا بعد إرسال الرسل. قال الشاطبي: «جرت سنته سبحانه في خلقه: أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل، فإذا قامت الحجة عليهم؛ فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولكل جزاء مثله» .
 قال القاسمي -في معنى الآية-: «وما صحَّ، وما استقام منا، بل استحال في سنَّتنا المبنية على الحِكم البالغة، أن نعذِّب قوماً حتى نبعث إليهم رسولاً يهديهم إلى الحق، ويردعهم عن الضلال؛ لإقامة الحجة، وقطعاً للعذر. والعذاب أعمُّ من الدنيوي والأخروي، أي: فهو يشملهما، وليس مختصا بأحدهما» . وقال ابن تيمية: «إنّ الكتاب والسنة قد دلت على أنّ الله لا يعذب أحداً إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة، لم يعذِّبه رأساً، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل، لم يعذِّبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية».
 2 - قوله تعالى: ﴿ ولَولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيهِم فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَولا أَرسَلتَ إِلَينَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ ﴾ أي أنّ الحامل على إرسال الرسل تعللهم بهذا القول واحتجاجهم به.
 3 - قوله تعالى: ﴿ ومَا كَانَ رَبُكُّ مُهلِكَ القُرَى حَتَّى يَبعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتلُواْ عَلَيهِم ءَايَاتِنَا ﴾ . قال ابن جُزَيْ في تفسيره (التسهيل لعلوم التنـزيل): «أُمُّ القرى مكة لأنها أوَّل ما خلق الله من الأرض ولأنَّ فيها بيت الله، والمعنى أنّ الله أقام الحجة على أهل القرى بأن بعث سيدنا محمد في أمِّ القرى فإن كفروا أهلكهم بظلمهم بعد البيان لهم وإقامة الحجة عليهم».
 4 - قوله تعالى: ﴿ ولَو أَنَّا أَهلَكَنـهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَولا أَرسَلتَ إِلَينَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَـتِكَ مِن قَبلِ أَن نَّذِلَّ ونَخزَى ﴾ .
 5 - قوله تعالى: ﴿ ومَا أَهلَكنَا مِن قَريَةٍ إِلا لَهَا مُنذِرُونَ، ذِكرَى ومَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ .
 6 - قوله تعالى: ﴿ وهُم يَصطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخرِجنَا نَعمل صَالِحاً غَيرَ الَّذِى كُنَّا نَعمَلُ أَوَلَم نُعَمِّركُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴾ .
 7 - قوله تعالى: ﴿ أَم يَقُولُونَ افتَرَاهُ بَل هُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوماً مَّا أَتَـهُم مِّن نَّذِيرٍ مّن قَبلِكَ لَعَلَّهُم يَهتَدُونَ ﴾ .
 8 - قوله تعالى: ﴿ وهَذَا كِتَابَ أَنـزلنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ واتَّقُواْ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ، أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنـزلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِن قَبلِنَا وإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِم لَغَافِلينَ، أَو تَقُولُواْ لَو أَنَّا أُنـزلَ عَلَينَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهدَى مِنهُم فَقَد جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُم وهُدًى ورَحمةٌ ﴾ .
 9 - قوله تعالى: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ . قال البرسوي: «والمعنى: لئلا يكون للناس على الله معذرة يوم القيامة يعتذرون بها، قائلين: لولا أرسلتَ إلينا رسولاً فيبين لنا شرائعك، ويعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك، وينبهنا من سَنة الغفلة، لقصور القوة البشرية عن إدراك جزئيات المصالح، وعجز أكثر الناس عن إدراك كلياتها. ففيه تنبيهٌ على أنَّ بعثة الأنبياء إلى الناس ضرورة، وإنّما سميت المعذرةُ حجةً مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه حجة في فعلٍ من أفعاله، بل أن يفعل ما يشاء، للتنبيه على أنّ المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ورحمته، لعباده بمنزلة الحجة القاطعة التي لا مردَّ لها» .
 والآيات في هذا الباب كثيرة جداً لمن أراد أن يتبصر فعليه بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وقد سئل الإمام الشافعي عن صفات الله، وما يؤمن به؟ فقال: «لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه أمته، ولا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأنّ القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله القول بها، فيما روى عنه العدول، فإن خالف بعد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه، فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه، فمعذور بالجهل؛ لأنّ علم ذلك لا يقدر عليه بالعقل، ولا بالروية، والقلب، والفكر، ولا نكفر بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهاء الخبر إليه به».