|
لقد آلمنا كثيراً أن يُدنس مقام هذه الشخصية العظيمة، والأم الجليلة لرسول الله على لسان الشيخ ناصر العمر في إجابة لسؤال حول الترحم للأم الكتابية مستدلاً بحرمة ذلك إلى الآية الكريمة ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ﴾، والمروي عن رسول الله في مسلم: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي».
إنّ هذه السيدة الطاهرة، والتي نتلمس ملامحها العطرة من خلال صورة ابنها النبي العظيم الذي آوته أحشاؤها، وغذاه دمها، واتصلت حياته بحياتها، فقد كان سيدنا محمد هو الأثر الجليل الذي خلفته سيدتنا آمنة بنت وهب.
فهي «زهرة قريش» بنت بني زهرة، وأفضل فتاة في قريش نسباً وموضعاً، والمحشومة المحجوبة عن عيون البشر حتى إنَّ الرواة كانوا لا يعرفون ملامحها لعفتها، فكانت حديث قريش في المحامد والفضائل.
وحينما سئل الرسول عن نفسه، أو بدء أمره، فأجاب: «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام»، قال ابن كثير: وهذا إسناده جيد .
وأخرج الإمام أحمد بسنده عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله : «إني عند الله لخاتم النبيين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات الأنبياء يرين» .
ولقد قال رسول الله فيما رواه عن ربه في الحديث القدسي: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب» .
وقال كذلك: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده» .
ومن أَجَلِّ مظاهر محبة رسول الله الدفاع عنه وعدم أذيته في أبويه؛ لأنَّ في أذيتهم أذية له ، وفي أذيته أذية لله تعالى.
ومما يؤذي رسول الله ويمس من شرف نبوته وشرف نسبه القول بدخول أبويه الشريفين جهنم والعياذ بالله قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللهَ رَسُولَهُ لَعنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنيَا الآَخِرَةِ أَعَدَّ لَهُم عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ .
وكان القاضي أبو بكر ابن العربي يلعن من يقول بدخول آباء النبي في النار فقد أورد العلامة السيوطي ما هذا نصه: «نقلت من مجموع بخطّ الشيخ كمال الدين الشمني، والد شيخنا الإمام تقي الدين رحمه الله ما نصّه: سُئل القاضي أبو بكر ابن العربي عن رجل قال: إنّ آباء النبي في النار، فأجاب بأنّه ملعون; لأنّ الله تعالى قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً ﴾ قال: ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه: إنّه في النّار» .
وقال أيضاً في رده على السخاوي: «...إنّه تكلّم في حق والدي المصطفى بما لا يحلّ لمسلم ذكره، ولا يسوغ أن يجزم عليه فكره، فوجب علَيّ أنْ أقوم عليه بالإنكار، وأنْ أستعمل في تنزيه هذا المقام الشريف الأقلام والأفكار، فألّفت في ذلك ست مؤلّفات شحنتها بالفوائد وهي في الحقيقة أبكار، ومن ذا الذي يستطيع أنْ ينكر علَيّ قيامي في ذلك، أو يلقي نفسه في هذه المهالك، من أنكر ذلك أكاد أقول بكفره وأستغرق العمر في هجره».
وكذلك اعترض ابن حجر العسقلاني على قول أبي حيّان الأندلسي بانحصار القول بإيمان آباء النبي بالشيعة الإمامية قائلاً: «وقول أبي حيان: إنّ الرافضة هم القائلون بأنّ آباء النبي مؤمنون غير معذَّبين، مستدلّين بقوله تعالى: ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾.
فلك ردّه: بأنّ مثل أبي حيّان إنّما يرجع إليه في علم النحو وما يتعلّق بذلك، وأمّا المسائل الأصوليّة فهو عنها بمعزل، كيف والأشاعرة ومن ذكر معهم -فيما مر آنفاً- على أنّهم مؤمنون، فنسبة ذلك للرافضة وحدهم -مع أنّ هؤلاء الذين هم أئمّة أهل السنّة قائلون به- قصور وأيّ قصور، تساهل وأيّ تساهل» .
وقال: «هذا الحصر باطل منك، أيّها النحوي البعيد عن مدارك الأصول والفروع. كيف؟ وأئمّة الأشاعرة من الشافعيّة وغيرهم -على ما مرّ التصريح به- في نجاة سائر آبائه كبقيّة أهل الفترة، فلو كنت ذا إلمام بذلك لما حصرت نقل ذلك عن الرافضة وزعمت أنّهم المستدلّون عليه بالآية والحديث. وهذا الفخر الرازي من أكابر أئمة أهل السنّة قد استدلّ بهما ونقل ذلك عن غيره...».
ونحن نسأل مثيري الفتن: ما الفائدة من طرح هذه المسالة أو التكلم فيها أصلاً، إضافة لما فيها من خطر إفساد عقيدة الناس وإثارة الاختلاف في صفوف المسلمين؟!...
ولكن القائلون بعذاب أبوي النبي لا يلتفتون إلى عمق الاستدلال على عنوان إسلامي بحاجة إلى تقصي الأدلة بشكل جيد بدلاً من التسرع في الحكم وحتى لا يكونوا مصداق قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلَهُ ﴾ .
عمدة المروجين لشرك أبوي النبي :
وعمدتهم في ذلك حديثين وهما:
1- حديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: أنّ رسول الله قال: «استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» .
2- ما رواه مسلم أنّ رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار. فلما قضى دعاه فقال: «إنّ أبي وأباك في النار» .
معارضة الحديثين لظاهر القرآن:
والمتأمل في هذين الحديثين يستطيع أن يتبين علتهما، وذلك لمعارضتهما لصريح القران:
كقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ أَن لَّم يَكُن رَّبُّكَ مُهلِكَ القُرَى بِظُلمٍ وَأَهلُهَا غَافِلُونَ ﴾ .
والقوم الذين بعث فيهم سيدنا رسول الله والذين منهم أبويه لم يأتهم نذير قبله لصريح قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرسَلنَا إِلَيهِم قَبلَكَ مِن نَّذِيرٍ ﴾[13] ، وقوله تعالى: ﴿ لِتُنذِرَ قَوماً مَّا أَتَـهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبلِكَ لَعَلَّهُم يَهتَدُونَ ﴾[14] .
فمعارضة هذين الحديثين المخالفين لفظاً ومعناً لصريح القرآن الذي هو قطعي الثبوت مع عدم إمكانية الجمع بينهما سقط الاحتجاج بهما، وتمسكنا بالقرآن كما هو مقرر وحسب قواعد الشريعة.
يقول الإمام النووي في شرح المهذب: «ومتى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعاً وجب ترك ظاهره» .
وقال إمام الحرمين الجويني: «ذهبت الحشوية من الحنابلة وكتبة الحديث إلى أنّ خبر الواحد العدل يوجب العلم، وهذا خزي لا يخفى مدركه على ذي لب، فنقول لهؤلاء: أتجوزون أن يزل العدل الذي وصفتموه ويخطئ؟ فإن قالوا: لا؛ كان بهتاً وهتكاً وخرقاً لحجاب الهيبة، ولا حاجة إلى مزيد البيان فيه» .
وقال السمرقندي الحنفي: «ومنها -أي شروط الخبر الآحاد-: أنّ يكون موافقاً لكتاب الله تعالى والسنة المتواترة والإجماع، فأما إذا خالف واحداً من هذه الأصول القاطعة فإنه يجب رده أو تأويله على وجه يجمع بينهما... ولأنّ خبر الواحد يحتمل الصدق والكذب والسهو والغلط، والكتاب دليل قاطع فلا يقبل المحتمل بمعارضة القاطع بل يخرج على موافقة بنوع تأويل.
ومنها: أن يرد الخبر في باب العمل فإذا ورد الخبر في باب الاعتقادات -وهي مسائل الكلام- فإنه لا يكون حجة لأنه يوجب الظن وعلم غالب الرأي لا علماً قطعياً فلا يكون حجة فيما يبتني على العلم القطعي والاعتقاد حقيقة».
والقاعدة عند علماء أهل السنة وبقية المذاهب الإسلامية: أنّ خبر الآحاد متى عارض الكتاب والسنة المتواترة أو الإجماع المعتبر لفظاً ومعنى مع عدم إمكانية الجمع بحال سقط الاستدلال به.
إضافة إلى أنّهم اتفقوا على العمل به في الأمور الشرعية دون العقائد، حيث إنّ مسائل العقائد مبنية على القطعيات التي تفيد العلم اليقيني والتي يكفر منكرها، بخلاف الآحاد الذي لا يفيد إلا الظن .
أهل الفترة ناجون:
إنّ من العقيدة التي يجب على كل مؤمن أن يعتقدها ولا يجوز له جهلها فضلاً عن إنكارها هي أنّ أهل الفترة ناجون وإن بدلوا وغيروا بدليل النصوص القرآنية القطعية السابقة الذكر وأبوي النبي من أهل الفترة بلا خلاف.
قال المفسر الشيخ محمد أمين الشنقيطي :
«ظاهر الآية الكريمة أنّ الله عز وجل لا يعذّب أحداً من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولاً ينذره ويحذره، فيعصي ذلك الرسول ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار.
وقد أوضح الله عز وجل هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ ، فصرح بأنه لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار.
وهذه الحجة بينها في سورة طه بقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى ﴾ ، وأشار لها في سورة القصص بقوله تعالى: ﴿ وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ ﴾ ، إلى غير ذلك من الآيات.
ووضَّح ما دلت عليه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن الكريم من أنّ الله جل وعلا لا يعذب أحداً إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام تصريحه جل وعلا في آيات كثيرة بأنه لم يدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار.... فمن ذلك قوله جل وعلا: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ﴾ ، ومعلوم أنّ ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْج ﴾ يعم جميع الأفواج الملقين في النار... -إلى أن قال- وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن العظيم تدل على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر»، انتهى كلامه.
فإذا كان أهل الفترة من أهل النجاة فكيف يمكن تصور حرمان والدي الرسول من هذا الأمر؟!
|